سكينة الفالحي
أقف في منتصف المشاعر، ليس لأني لا أريد الإكمال، ولكن لأني لا أريد الوصول لنهاية الرحلة التي أحب. كأنني أعيش بين بدايةٍ جميلة ونهايةٍ أخشى أن تكون قاسية، فأبقى عالقة في المسافة التي بينهما، لا أتقدم كما يجب، ولا أعود كما كنت.
لا علاج قادر على شفاء المصاب بنفسه، لو كانت الأمور تتعلق بالآخرين لاستطاع استعمال النسيان واقتراف التجاوز، لكنه محشور هناك بينه وبين نفسه؛ كيف ينسى ما كان هو فيه أصل الحكاية، وكيف يتجاوز ما لم يعد قابلاً للفصل عنه؟ هو لا يتألم لأن الألم جديد، بل لأن كل شيء قديم ويعرف طريقه إليه جيداً، وكل ذكرى تأتيه بلا استئذان، كأنها تملك مفتاح البيت، تجلس في صدره وتعيد ترتيب الفوضى كما تشاء، ثم تغادر وتتركه أكثر ارتباكاً مما كان.
وفي هذا التمزّق الخفي، يصبح الزمن نفسه غير منصف؛ يمرّ من أمامه كأنه لا يعرفه، بينما هو ما زال عالقاً في لحظة واحدة لم تتحرك من مكانها. كأن الحياة من حوله تُعيد ترتيب نفسها، إلا داخله بقي على هيئة مشهد واحد لا يريد أن ينتهي. يحاول أن يبدو بخير أمام العالم، يمشي كما لو أن الخطوات لا تحمل ثقلاً، ويبتسم كما لو أن داخله لا ينكسر في كل مرة يمر فيها اسم أو ذكرى أو صمت يشبه ما كان يوماً كلاماً كثيراً.
المشكلة ليست في النسيان، بل في أنه لا يريد أن ينسى، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يحتفظ بكل هذا حيّاً دون أن يؤذيه. وفي الليل، حين يهدأ العالم ويخفت ضجيج الناس، يبدأ صوته الداخلي بالارتفاع؛ ليس صوتاً واضحاً، بل همساً يشبه الأسئلة التي لا تريد إجابات، بل تريد فقط أن تُتعب صاحبها. عندها يفهم أن أصعب ما في التجاوز ليس النسيان، بل القبول بأن ما كان جميلاً قد لا يعود، وأن ما انتهى لم يكن ناقصاً… بل كان كاملاً إلى درجة لا تسمح له بالبقاء.
وفي النهاية، يفهم أن الألم ليس دائماً صراخاً، بل قد يكون هدوءاً مبالغاً فيه، وابتسامة تُخفي أكثر مما تُظهر، وصمتاً طويلاً ينجو به الإنسان من الانهيار لكنه لا ينجو به من الذاكرة. الحرمان ليس فقط غياب شخص، بل غياب النسخة التي كنتَ عليها معه؛ ذلك الجزء الذي كان يضحك بسهولة، ويتحدث بلا خوف، ويؤمن أن الغد ممكن مهما كان اليوم صعباً. حين يرحل البعض، لا يأخذون أنفسهم فقط، بل يأخذون نسخة كاملة منك دون أن يشعروا.
أما الذكريات، فهي لا تأتي رحيمة، تأتي في أبسط التفاصيل: في أغنية قديمة، في شارع مررت منه مرة واحدة، في رائحة لا تشبه أي شيء لكنها تشبهه هو. فتنهار داخلك كل الحكاية دفعة واحدة، كأن الزمن لم يُشفِ شيئاً بل فقط أخّره. ويكتشف الإنسان متأخراً أن أقسى أنواع الفقد ليس الفقد الذي ينتهي بالبكاء، بل الفقد الذي يتعلم صاحبه أن يعيش معه دون أن يُلاحظ أحد.
وهكذا يظل القلب بين شيئين لا ثالث لهما: حرمانٌ علّمه الصمت، وذكرياتٌ لا تعرف كيف تغادر… وبينهما إنسان يحاول أن يبدو بخير، بينما في داخله شيء لم يعد يعرف كيف يعود كما كان.
