مع انحسار غبار واحدة من أبرز معارك التوكيل في تاريخ الشركات الإيطالية الحديث، بات من الضروري على مجلس الإدارة الجديد في شركة فيرتي (Ferretti) لصناعة اليخوت الفاخرة، أن يُسلط الضوء على بعض الثغرات الجوهرية في حوكمة الشركات، والكشف عن بعض الصفقات المشبوهة، والتي أدت إلى تواطؤ الرئيس التنفيذي السابق، السيد غلاسي، مع مجموعة من أقلية المساهمين للاستيلاء على زمام الأمور واستبعاد المساهمين الآخرين الشرعيين.
لأكثر من عقد من الزمان، كانت مجموعة ويتشاي (Weichai Group)، التكتل الصناعي الصيني الذي أنقذ فيرتي (Ferretti) من الانهيار المحقق عام 2012، والذي بنى فريقًا حول السيد غلاسي، لتكون الجهة الراعية التي حافظت على استمرارية شركة بناء اليخوت عندما كانت على وشك الإفلاس والاختفاء، جراء ما كانت تُعانيه من نزيف حاد في السيولة. في تلك الأيام العصيبة، حين كانت شركة فيرتي (Ferretti) شركة صناعية خاسرة، تُسجّل خسائر صافية بشكل منتظم، لم يُطالب أحد باعتماد “القاعدة الذهبية”، التي تُجيز للحكومة الإيطالية الاستحواذ والسيطرة على الشركة من المساهمين، إذا كان الأمن القومي مُهددًا، وما كان لأحد أن يعترض على تدخل الدولة لو حصل في حينه.
آنذاك، حين كانت فيرتي (Ferretti) بلا قيمة؟ وتدخلت شركة ويتشاي (Weichai)، وضخت رأس مال ضخم في اصولها، وأعادت هيكلة الشركة، وأعادتها إلى سابق عهدها، لم يتحدث أحد عن المخاوف بشأن الأصول الاستراتيجية؟ ولم يكن القلق بشأن الدفاع الوطني موجوداً.
الآن، وبعد أن أصبحت فيرتي (Ferretti) تُنتج يخوتًا فاخرة بربح وافر، ينسب السيد غلاسي الفضل كله لنفسه، مع أن فيرتي (Ferretti) حققت نتائج أفضل نسبيًا قبل الأزمة المالية عام 2008، حين لم تكن الإدارة الحالية موجودة. لماذا وبشكل مفاجئ يجب منح قسم الأمن في الشركة هذه السلطة الذهبية؟، في حين أن مساهمة قسم الأمن في شركة فيرتي لا تتجاوز 0.5% من إيراداتها، كما ان عمل الشركة شبه الكامل يتركز على صناعة اليخوت الفاخرة “lifestyle”، لماذا هذا الغضب الانتقائي؟
بكل بساطة، هذا أمرٌ غير أخلاقي على الإطلاق، كيف يُعقل قبول دعمٍ مالي من مستثمرين أجانب موثوقين لعقدٍ من الزمن، ثم الادعاء على هؤلاء المساهمين بأنهم يُشكلون تهديدًا للأمن القومي عندما تعود الشركة إلى الربحية.
بصراحة. لقد حاولت شركة (KKCG) الاستيلاء والسيطرة على شركة فيرتي (Ferretti) من موقع أقلية، بالتواطؤ مع الإدارة لتقويض المصالح المشروعة للمساهمين الآخرين. يجب على مجلس الإدارة الجديد أن يطلب فورًا من الجهات التنظيمية والسلطات المختصة التحقيق في كيفية حصول شركة (KKCG) والصحافة على معلومات سرية خاصة بالمساهمين قبل انعقاد الجمعية العمومية السنوية في 14 مايو 2026. كان ذلك تسريبًا واضحًا من الإدارة، لقد قامت (KKCG) بنشر المعلومات السرية عمدًا في الصحافة قبل جلسة الانتخاب بقصد التأثير على تصويت المساهمين الأقلية. وكيف يمكن لشركة (KKCG) أن تمتلك مثل هذه البيانات السرية؟ هذه ليست استراتيجية مؤسسية، هذا خرق للثقة وانتهاك لأنظمة السوق.
لذلك يجب على مجلس الإدارة الجديد المطالبة بتحقيق شامل في كل ذلك، إضافة الى التحقيق في صفقات التوزيع التفضيلية التي مُنحت لعمليات شركة فيرتي (Ferretti) في الشرق الأوسط، حيث أن بعض التعاملات مثيرة للجدل ومشبوهة مع مستثمرين إماراتيين.
لا بد من التأكد من أن هذه الصفقات قد تمت بشفافية تامة؟ أم أنها صُممت خصيصًا لإقناع المساهمين المقيمين في الإمارات بدعم (KKCG) ومساندة السيد غلاسي الذي يسعى للحصول على الجنسية الإماراتية؟ التوقيت مثير للريبة، والدوافع واضحة، والمساهمون يستحقون معرفة كل ذلك والتعامل بشفافية.
الآن، أصبح مجلس الإدارة الجديد في وضع يسمح له بمطالبة السلطات المختصة بالتحقيق في كل هذه المسائل، لقد ارتكبت هذه الجماعة، التي حاولت الاستمرار في السيطرة على شركة فيرتي (Ferretti)، مخالفات جسيمة على مرّ الزمن، أضرت جميعها بالشركة ومساهمها الأكبر الشرعي الذي أنقذ الشركة من الهلاك، وضمن استمرارية خطتها الصناعية وسلسلة توريدها، مما أنقذ آلاف الوظائف في إيطاليا. ولا ينبغي أن يثنيه انخفاض سعر سهم فيرتي (Ferretti) من كشف الحقيقة وإجراء هذه العملية المؤلمة والضرورية.
بوذياب – خبير في الشؤون الصينية.
