نزهة عزيزي
– مارأيك لو نذهب لشاطىء لاكورون بمرتيق؟
لم أجبها بقيت ترمقني بتلك النظرة الساخرة التي تستفزني
وأضافت :
– أو نذهب لنرقص في أحد النوادي ؟
فقطبت حاجبي معترضة فقالت :
– لا تسبحين ولا ترقصين ولا تدخنين وتعترضين على كل إقتراحاتي؟
وأضافت بإصرار: أو نتجول في سوق الانتيكا لأكس أو بروفانس أعرف كم تحبين فوضى الأشياء المعروضة من حلي وأثاث ، وأفرشة ؟!
لا أعرف حتى الآن على ماذا تبحثين عندما تقضين كل ذلك الوقت في تأمل تلك المرايا الباهته القديمة لم أفهم هوسك بالايطارات المنقوشة الخشبية؟ ولا بتلك الاباريق التي تبحثين في قعرها هل صنعت في موجان ليست موجان المدينة الوحيدة التي تصنع الفخار الفاخر في فرنسا؟
لم انبث بشفة أعرف أن حورية تستفزني فهي تعرف أنني أعيش هذه الأيام مشدودة الأعصاب
أشعلت سيجارة من علبة السجائر التي أهديتها لها. كان تبغها مخففا بنكهة الفروالة نفثته في الهواء دفعة واحدة ونفثت ما بقي في فمها على وجهي وقالت :
– في المرة القادمة أحضري لي تبغا محترما ولا تفكري في صحتي نيابة عني !
قلت لها : إذا لم يعجبك التبغ الذي أهديتك لما تدخنيه!
قالت: التبغ في فرنسا غالي اثنتا عشر اورو للعلبة ولا أملك ثمنه، لا أعرف لما يزعجك أن أدخن إنها رئتاي
قلت لها : لأنك عزيزة علي
قالت : لذلك جعلتني أعيش في زمن كورونا ، لاحب والزلط والموت وحتى كمال الأنصاري عشيقي الوحيد تركته في الفصل الخامس من روايتك شهقة نهد
أنت حائرة مع شخصيتي، متمردة، وفي نفس الوقت متناقضة، لماذا مدرسة آداب فرنسية كأن التمرد حكر على فرنسا ..؟!
انت من أردتي أن أكون مدخنة لكي أتحمل المجتمع المريض الذي وضعتيني فيه ! لست هشة وحتى لو كنت كذلك لن تعرفي ذلك لأني أقوى من الحبر الذي تكتبين به وأقوى من الظروف التي جعلتني أتحداها وأقوى من الموت
انا مثل لميعة عباس أحرر الحرف وليس هو من يحررني !
“فكري في الجملة يا أديبة” حورية بنبرة إستصغار
نظرت إليها بتعجب، وقلت :
– لست كذلك أنا أحاول فقط أن أكتب !
فصاحت :
– لميعة عباس الشاعرة العراقية ؟ لا أعرف كيف تكتبين عن حرية النساء ولا تعرفينها ؟
قلت : بلى
وأضافت منزعجة:
– ليست الوحيدة المتمردة ! القائمة طويلة ماذا تعرفين عن النساء اللواتي كتبن بالدمع والآهات؟
أخرجت ربطة شعر من حقيبة يدها وربطت شعرها القصيرة بحركة واحدة وبحثت في قعرها مرة أخرى عن قنينة عطر “الممنوع” لجيفانشي التي أهديتها في عيد ميلادها الاسبوع الفارط ، كان العطر يشبهها ويطابق شخصيتها الاستفزازية.
نظرت إلي كأنها تعرف ما يجول في رأسي : لم تفلسي عندما أهديتني هذا العطر أعرف أنه باهض لكنني أحبه عطر محترم الرقم والأريج لم تخطئي هذه المرة يا كاتبتي المسهدة . هل ترين الهالات السوداء تحت عينيك ؟ لن يأتيك الإلهام من السهر لو كان كذلك لكان جورج وسوف أشهر كاتب في الوطن العربي وضحكت ملأ أسنانها وبقيت احدق في عينيها و أحمر شفاهها القاتم وأضافت:
-كل الاشياء لديها ثمن،حتى المشاعر نحن نتداولها حسب الاستحقاق! في الفصل القادم من روايتك شهقة نهد التي ستأتي عليك ، إجعليني ألتقي بالحب الحقيقي ويكفي من الرجال المازوخيين الذين تضعينهم في طريقي، رجل لا تخيفه إمرأة تدخن وتقرأ من فضلك.
نهضت حورية دفعة واحدة من الطاولة التي جلسنا فيها في تراس مقهى ساحة ميرابو ورؤيتها تبتعد وقد أخدت قبعتي فوق رأسها. اليوم لبست فستان طويلا مزهر لان الجو الحار ،ووضعت صندلي الذهبي في قدميها.لم تلتفت لي وهي تغادر، فهي تعرف جيدا أن قلمي يتعطل في حضرتها وتعلم أنها بطلة من أبطال روايتي التي أحبها
إلى أن ينزل وحي القلم سأبقى في ذمة العزلة.
