ليس بالضرورة أن يكون احتلال إسرائيل للدول العربية مادياً كما حصل مع باقي أرض فلسطين والجولان السوري وسيناء المصرية ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا اللبنانية في الماضي، بل قد يكون الاحتلال بوسائل أخرى مختلفة، كما خططت له بعد ذلك. استطاعت إسرائيل اختراق دول عربية، بعد ذلك الاحتلال من خلال سياسة التطبيع، الذي لم يتوقف عند حدود سياسية أو أمنية فقط، بل امتد للمجال الاقتصادي أيضاً، ولا تزال إسرائيل تواصل مساعي توسيعه أو ترسيمه مع دول عربية أخرى، رغم مواصلتها احكام سيطرتها على فلسطين، وانكار الحق الفلسطيني المشروع. تتقاطع استراتيجيات إسرائيل في التعامل مع ملفات إيران وغزة ولبنان في إطار متكامل، لا ينقطع عن تحديد أهدافها السابقة، فتستكمل من خلاله تحييد أي معارضة أو تمرد في المنطقة.
تتشابه استراتيجيات الولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل مع الجبهات الثلاث، الإيرانية والفلسطينية واللبنانية، لتحقيق هدف واحد، وهو القضاء على أي معارضة سياسية متبقية لإسرائيل في المنطقة، وأي قوة مادية، يمكن أن تواجهها مستقبلاً. فبينما تعقد هدنة مع إيران، تواصل الضغط الاقتصادي والسياسي، وتسعى لتحصيل تقدم في المفاوضات لصالحها تحت الضغط، يتعلق في الأساس بسلاح إيران وقوتها المستقبلية. وفي حين توصلت لوقف إطلاق نار في غزة، يستمر الاستهداف والقتل والحصار للغزيين من قبل الاحتلال، الذي يواصل الضغط على «حماس» في المفاوضات لنزع سلاحها بالكامل. وعلى الرغم أيضاً من الاتفاق الإسرائيلي اللبناني على وقف لإطلاق النار، بقي ذلك اسمياً، تماماً كما يحصل في غزة، فيواصل جيش الاحتلال استهداف المدنيين والقرى والمدن في الجنوب اللبناني، ويستخدم المفاوضات مع الحكومة اللبنانية للضغط عليها لنزع سلاح «حزب الله».
لا تعد أهداف إسرائيل في المنطقة جديدة، وإن تغيرت الاستراتيجيات لتحقيقها، وفقاً للظروف والتطورات الميدانية. فعندما احتلت إسرائيل باقي الأراضي الفلسطينية في العام ١٩٦٧، وباشرت بوضع الخطط لإحكام السيطرة على أرض الفلسطينيين، وإخضاعهم، عملت بالتزامن، للقضاء على قوة ومقاومة الفلسطينيين لأهدافها في الخارج، واحتواء المعارضة والرفض العربي لاحتلالها وسيطرتها على فلسطين.
بعد احتلال عام ١٩٦٧، حاولت إسرائيل نزع صفة السيادة عن الضفة الغربية وقطاع غزة، بحجة خضوع المنطقتين لسلطة أردنية ومصرية قبل الاحتلال، غير فلسطينية، وأن حدود العام ١٩٤٩، ليست إلا خطوط هدنة، وليست حدودا نهائية، ولم تعترف باحتلالها لفلسطين. وفي ظل حالة من الاحتلال العسكري المقر به قانونياً ودولياً، قامت إسرائيل عملياً بوضع مخططات متكاملة لتوسع استيطاني يؤدي لتبدل جغرافي، ونقل المستوطنين اليهود للمستوطنات، لخلق حالة من التبدل الديمغرافي. وعرضت في مفاوضات كامب ديفيد الأولى في العام ١٩٧٨، وضع ترتيب لحكم ذاتي فلسطيني محدود، دون سيادة، وذلك بإقامة سلطة حكم ذاتي منتخبة في الضفة وغزة ضمن مرحلة انتقالية. وتكشف تلك المعطيات السابقة، رؤية وأهداف ومخططات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وجسدت أفعالها وإستراتيجياتها وسياساتها ذلك.
لم يخرج اتفاق أوسلو في العام ١٩٩٣عن تلك الرؤية، والذي جاء بسلطة فلسطينية انتقالية تدير شؤون الضفة وغزة، مع تأجيل جميع قضايا الحل النهائي، ودون تراجع عن سياسة الاحتلال بتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي. ولم يأتِ انسحاب إسرائيل من غزة وبعض المناطق في شمال الضفة في العام ٢٠٠٥ عن تلك المقاربة، حيث اعتبرت الحكومة الإسرائيلية بأنه جاء لـ »تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين». في مفاوضات كامب ديفيد الثانية العام ١٩٩٩ – ٢٠٠٠، والتي جاءت كاستحقاق وفق اتفاق أوسلو، للبت في قضايا الحل النهائي، أكد صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، أن ما عرض إسرائيلياً لم يلبِ الحد الأدنى لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومنذ العام ٢٠٠٠ بدأت إسرائيل بوضع شروط تعجيزية للفلسطينيين لقبولها بمواصلة التفاوض معهم، على رأسها الاعتراف بالدولة اليهودية. وبعد الانتفاضة الثانية، جاءت تحفظات إسرائيل الأربعة عشر على خارطة الطريق العام ٢٠٠٣ لتعيد تثبيت السيطرة الأمنية، ورؤية لدولة فلسطينية مؤقتة منزوعة السلاح بسيادة محدودة، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على الحدود، والمعابر، والمجال الجوي، والبحري. وبعد الانقسام العام ٢٠٠٧، استخدمته إسرائيل للتشكيك بالتمثيل الفلسطيني، وتقويض رؤية التفاوض بمجملها، لترسيخ الواقع الانتقالي الفلسطيني وتحويله لوضع دائم. وهي حالة تسعى بتصميم للاحتفاظ بها، حتى بعد حربها الأخيرة وتدميرها لقطاع غزة، وذلك بتعين حكومة فلسطينية، لا تنتمي للسلطة الفلسطينية.
بالتزامن، هدفت إسرائيل لإخراج الدول المحيطة بفلسطين من الارتباط بالقضية الفلسطينية، وحولت التعامل مع تلك الدول لملفات منفصلة. اختارت إسرائيل شن حرب على لبنان في العام ١٩٨٢ بهدف القضاء على الهجمات الفلسطينية والوجود المسلح الفلسطيني على الحدود الجنوبية للبنان، واحتفظت بعد انسحابها بالسيطرة على شريط أمني حدودي من داخل لبنان. في حين ثبتت حالة من الهدوء لعقود على الجبهة السورية في العام ١٩٧٤، من خلال اتفاق فصل القوات وفرض مناطق عازلة بمراقبة أممية، رغم احتلالها لمرتفعات الجولان منذ العام ١٩٦٧، وضمها بعد ذلك. على الجانب الآخر، حققت إسرائيل من السلام مع مصر في العام ١٩٧٩ مكاسب استراتيجية كبرى، بإخراج أكبر جيش عربي من دائرة الحرب معها، مقابل إنهاء احتلالها لسيناء، مع ضبط القواعد الأمنية على الحدود معها، وترسيخ أول مظاهر التطبيع الرسمي السياسي والاقتصادي عربياً، رغم استمرار الاحتلال لفلسطين. وأضعف السلام المعلن مع الأردن في العام ١٩٩٤، الذي جاء في أعقاب اتفاق أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أثر المقاطعة العربية، وقوّى الشراكة العلنية الأمنية الرسمية والإقتصادية مع الأردن، وحقق مزيدا من الاستقرار على الجبهة الشرقية، والتي مثلت أطول شريط حدودي لها. وفي العام ٢٠٢٠، عملت الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب على توسيع قاعدة التطبيع والتعاون الرسمي العربي المعلن مع إسرائيل، عبر اتفاقات أبراهام، باستخدام الترغيب أو الترهيب، والمكافآت الاقتصادية والسياسية.
الاستراتيجية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر
بعد نجاحها في مرحلة سابقة بتحييد دول الطوق، وتوسيع حالة من التطبيع، تخطت حدود تلك الدول، تسعى، اليوم، لتحييد محاور التهديد، في إيران وغزة ولبنان وسورية، والتي تشكل العقبة الأخيرة المتبقية أمامها إقليمياً، خصوصاً بعد أن حققت تقدماً هائلاً في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في إيران، لا تسعى إسرائيل فقط إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية، بل إلى إبقاء طهران تحت ضغط عسكري واقتصادي وسياسي طويل، أو تغيير النظام. تنظر إسرائيل لإيران باعتبارها مركز إنتاج التهديد. فمنذ الثورة الإيرانية، تبنت طهران خطاب «تصدير الثورة» ودعم «المستضعفين»، وترجم ذلك عملياً في دعم حلفائها في لبنان وفلسطين، وسورية، والعراق، واليمن. لذلك ترى إسرائيل أن الخطر الإيراني لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل البنية الإقليمية التي رسخت إيران قوتها، وتعتبر هدفها بتحييد التهديد الوجودي والوشيك، على حد تعبيرها، الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وقدرة إيران على الهجوم عبر وكلائها.
وفي غزة، تحول إسرائيل استراتيجيتها من الاحتواء والردع لإعادة هندسة القطاع. فمن خلال إبقاء وقف إطلاق نار غير مفعل، لا يصل لاستئناف الحرب الشاملة، تحافظ على حالة من حصار، وإضعاف بنية «حماس» الأمنية والإدارية، وتأخير الإعمار، وتربط مستقبل القطاع بترتيبات وإدارة مفروضة، تحت رقابة أمنية إسرائيلية. صرّح نتنياهو بأن إسرائيل ستحتفظ بـ»المسؤولية الأمنية العامة» في غزة «لفترة غير محددة»، وارتبطت خطته لـ»اليوم التالي» بإقامة إدارة محلية لا ترتبط بالسلطة الفلسطينية أو بـ»حماس»، ما يفسر بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للقطاع، لا يسمح بعودة مسلحة لحركة حماس، أو أي جهة أخرى، وتبعية أمنية كاملة للقطاع.
وفي لبنان، تواصل إسرائيل استهداف «حزب الله» وتسلك بالتوازي مسارا تفاوضيا يهدف لنزع سلاح الحزب، لترتيب العلاقة بعد ذلك مع لبنان. اعتبر نتنياهو أن إسرائيل لن تقبل بالعودة إلى واقع ما قبل الحرب، وأن المطلوب هو إبعاد «حزب الله» عن الحدود بصورة كاملة، ما يعني إنهاء الوجود العسكري للحزب جنوب نهر الليطاني. وكانت إسرائيل قد فشلت بتحييد الجبهة اللبنانية، بعد القضاء على الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان العام ١٩٨٢، بعد أن ظهر «حزب الله» مسلحاً في الجنوب، وبقي الحزب الخطر الأمني الأكبر وقد يكون الوحيد على إسرائيل من بين دول الطوق الأخرى. لذلك لا تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في لبنان مقتصرة على إضعاف «حزب الله» عسكريا وضمان جنوب منزوع السلاح، بل تتجه نحو دعم الدولة مركزياً، بحيث تكون أقل ارتباطا بإيران، وأكثر قابلية للاندماج في ترتيبات إقليمية أوسع، وهما عنصران متكاملان، من وجهة النظر الإسرائيلية.
في سورية، لم تتعامل إسرائيل معها، بعد سقوط نظام الأسد، كعدو تقليدي فقط، بل كساحة فراغ استراتيجي، تفرض منع إعادة تشكلها كجبهة شمالية مرتبطة بإيران أو «حزب الله». فقد قامت بتدمير القدرات العسكرية الهجومية والدفاعية النظامية، وأقامت مواقع لها في العمق السوري، وخلقت مناطق عازلة دون تحديد مدة وحدود ذلك التواجد. وفسر نتنياهو ذلك بأن سياسته تقوم على نزع السلاح في المنطقة الممتدة جنوب دمشق، من الجولان إلى جبل الدروز، ولن يسمح بوجود قوات تابعة للحكومة السورية الجديدة أو جهة مسلحة أخرى. وتستخدم إسرائيل حماية الأقليات الدرزية، كجزء من شرعنة تدخلها في جنوب سورية. وكانت إسرائيل قد عملت منذ العام ٢٠١١، وفي ظل ضعف الدولة السورية، على محاربة تموضع إيران و»حزب الله» في سورية ونقل السلاح إلى لبنان، بما عرف باستراتيجية «المعركة بين الحروب». ورغم ذلك، تتحول سورية لساحة تنافس إسرائيلي – تركي غير مباشر، في ظل تناقض المصالح بينهما. تريد تركيا حكومة سورية مركزية قادرة على ضبط الأكراد وإعادة اللاجئين وتقليص الفوضى، بينما تتطلع إسرائيل لحكومة ضعيفة تضمن لها بقاء الجنوب السوري منزوع السلاح، وقدرة للتدخل عند الحاجة، ومنع عودة إيران و»حزب الله».
تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية كاستمرار معدل لاستراتيجية ما بعد العام ١٩٦٧، تقوم على تفكيك الجبهات، ومنع ترابطها، وتحويل كل محور إلى ملف منفصل يمكن استنزافه أو احتواؤه أو إخضاعه، لتحقيق الهدف الرئيس بفصل الملف الفلسطيني عن سياقه العربي والإقليمي، وتحييد الجبهات الأخرى، والبقاء كقطب المنطقة الأقوى. أثبتت التجربة التاريخية وعبر عقود عديدة، أن إسرائيل تشكل مصدر اضطراب لدول وشعوب المنطقة، ورغم ذلك نجحت مرحلياً وتراكمياً بالتقدم باتجاه تحقيق أهدافها، لكنها لم تصلها بعد. وقد يكون وضوح تلك الأهداف الإسرائيلية، اليوم، محفزاً للعمل على ردعها وإحباطها، خصوصاً في إطار تعاون إقليمي متكامل يحقق المصالح، والأمن، والاستقرار، والرخاء.
