عروبة الإخباري –
الدستور رنا حداد –
على اعتاب انطلاق كأس العالم 2026 الرياضة اليوم اصبحت اقوى ادوات الهوية الثقافية والموضة المعاصرة ايضا ، وبعد أن كشف الاتحاد الأردني لكرة القدم عن تفاصيل القميص الرسمي لمنتخبنا الوطني المشارك في نهائيات كأس العالم 2026، في تصميم لافت يجمع بين الرمزية الوطنية واللمسة الجمالية الحديثة، تحوّل «قميص النشامى» من مجرد زي رياضي إلى بيان بصري عن الهوية والانتماء والطموح.
جاء الإعلان وسط ترقب جماهيري واسع، خاصة أن مشاركة الأردن في مونديال 2026 تُعد حدثًا تاريخيًا في مسيرة الكرة الأردنية، ما جعل القميص الجديد أكثر من مجرد تفصيلة شكلية، بل جزءًا من سردية وطنية تتجه نحو العالم من بوابة الرياضة. وقد تم اعتماد ثلاثة ألوان أساسية للقميص: الأبيض والأحمر التقليديان، إلى جانب اللون الأسود الذي قد يظهر في بعض المباريات بحسب ألوان المنافسين، وهو اللون الذي لفت الأنظار بشكل خاص وأثار نقاشًا حول حضوره المختلف وغير المألوف في هوية المنتخب.
التصميم لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى قراءة عميقة للرموز الثقافية الأردنية، حيث استلهمت القمصان الأساسية والاحتياطية نقشة الشماغ الأردني الأحمر والأبيض، باعتباره أحد أبرز رموز الهوية الوطنية وأكثرها حضورًا في الحياة اليومية. هذا الاختيار لم يكن مجرد عنصر زخرفي، بل محاولة لإعادة تقديم رمز اجتماعي عريق ضمن سياق عالمي، حيث يتحول الشماغ من قطعة تراثية إلى لغة تصميم حديثة على أرض الملعب.
أما القميص الثالث، فجاء مختلفًا من حيث الروح البصرية، إذ استوحى تصميمه من السوسنة السوداء، الزهرة الوطنية للأردن، عبر تدرجات البنفسجي والأسود التي تعكس ارتباط الإنسان الأردني بالطبيعة وبالهوية البيئية والثقافية في آن واحد. هذا التنوع في الألوان يعكس رغبة واضحة في تقديم المنتخب كصورة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على البعد الرياضي فقط، بل تمتد إلى رمزية المكان والذاكرة الجمعية.
ولم يتوقف التصميم عند حدود الألوان والرموز، بل امتد ليشمل التفاصيل الدقيقة مثل الأرقام والحروف على القميص، والتي استوحت شكلها من الإرث الحضاري للأنباط. هذا الاختيار يربط بين تاريخ يمتد لقرون من الإبداع المعماري واللغوي، وبين حاضر رياضي يسعى لكتابة فصل جديد في تاريخ الكرة الأردنية. كما تمت الإشارة إلى إدراج عناصر مستوحاة من النقوش النبطية في الجبال والصخور، في إشارة رمزية إلى الصعود والطموح والقدرة على تجاوز التحديات.
ومن اللافت أيضًا المزج بين التراث والتكنولوجيا، حيث تم دمج عناصر بصرية حديثة مستوحاة من «البكسل» والمربعات الرقمية، في محاولة لتقديم هوية تصميمية تجمع بين الأصالة والحداثة، وتواكب لغة التصميم العالمية في عالم الرياضة والموضة. هذا التداخل بين الماضي والمستقبل يعكس رؤية بصرية جديدة للمنتخبات الوطنية، لم تعد تعتمد فقط على الرموز التقليدية، بل على إعادة تفسيرها بشكل معاصر.
وقد تم تنفيذ هذا العمل بتوقيع أردني خالص، حيث ساهمت المصممة دانية اللوزي والمصمم الحروفي حسين الأزعط في صياغة الهوية البصرية للقميص، عبر تحويل الرموز الوطنية إلى تصميم حديث يعكس الانتماء ويخاطب العالم بلغة جمالية معاصرة. هذا البعد المحلي في التنفيذ يمنح القميص قيمة إضافية، باعتباره نتاجًا إبداعيًا محليًا يحمل بصمة فنية واضحة.
القميص الرياضي قطعة ترتدى يوميًا
في هذا السياق، لا يمكن فصل قميص منتخب الأردن عن التحولات الأوسع التي يشهدها عالم الموضة الرياضية، حيث باتت قمصان المنتخبات الوطنية جزءًا من ثقافة «الستريت وير» العالمية. فمع اقتراب كأس العالم 2026، لم يعد القميص الرياضي مجرد زي للمباريات، بل قطعة تُرتدى في الحياة اليومية وتُنسق بأساليب متنوعة، تعكس شخصية مرتديها أكثر مما تعكس الفريق الذي يشجعه فقط.
القمصان الواسعة والقصات الفضفاضة والتصاميم المستوحاة من التسعينيات أصبحت جزءًا من المشهد العام، فيما دخلت النساء بقوة إلى هذا الاتجاه، عبر تنسيقات تمزج بين القميص الرياضي والقطع الكلاسيكية أو الأنثوية، مثل التنانير والحقائب الصغيرة والأحذية الأنيقة. هذا التحول أعاد تعريف القميص الرياضي كقطعة مرنة يمكن إعادة تشكيلها بحسب الذوق الشخصي.
وتلعب العلامات الرياضية الكبرى مثل اديداس ونايكي دورًا أساسيًا في هذه النقلة، إذ لم تعد القمصان تُصمم فقط لأداء رياضي، بل تُطرح ضمن مجموعات أقرب إلى خطوط الأزياء الموسمية، تتضمن حملات تسويق عالمية وتعاونات مع مصممين ومؤثرين، ما يرفع من قيمتها الجمالية والثقافية في الوقت ذاته.
ومع هذا التحول، أصبح قميص المنتخب أكثر من مجرد رمز تشجيعي، بل علامة على الانتماء الثقافي والذوق الشخصي. ففي شوارع المدن، يمكن ملاحظة تنوع واضح في طرق ارتدائه، من الإطلالات الكاجوال البسيطة إلى التنسيقات الجريئة التي تدمجه مع عناصر فاخرة أو غير متوقعة، ما يعكس مرونة هذا العنصر في التكيف مع أنماط مختلفة من التعبير عن الذات.
ومع دخول كرة القدم مرحلة جديدة من التداخل مع الموضة، يبدو أن قميص منتخب الأردن في مونديال 2026 لا يقدّم فقط هوية فريق، بل يقدّم أيضًا رؤية أوسع لكيف يمكن للرياضة أن تتحول إلى مساحة إبداعية مفتوحة، تتقاطع فيها الثقافة والتاريخ والتصميم في قطعة واحدة ترتدى على أرض الملعب وفي الشارع على حد سواء.
