في زمن الفوضى المتنامية التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع والمنصات الرقمية خصوصا في زمن الحروب ، يظهر الإعلام الأسود ليزيد من ضبابية التمييز بين المسؤولية الإبلاغية ومخاطر ديمقراطية الفوضى التي تشيع بقوة في زمن الأزمات بسبب غياب المرجعية الإعلامية الناظمة وانتشار حالة التشظيات السياسية ، اضافة الى عدم وجود قانون للإعلام الالكتروني يضبط هذه التصرفات التي تؤثّر على الجمهور الذي يتلقّى ويتفاعل ويعيد النشر قبل ان يراجع ما وصل اليه من اخبار ومنقولات غير مؤكدة ولا تتّصف بالموثوقية والمصداقية ما يثير حالة من الارباك والتشويش عند المواطنين .
فهل أمسى بعض الإعلام مقتلة للحقيقة و إغتيالاً للصدقية الخبرية ؟
من مخاطر الانهيارات المجتمعية في ظروف المتغيرات الدائمة و الاحوال المتقلبة خلقياً و مهنياً ، خصوصاً في الازمنة الرمادية التي تسود العلاقات الداخلية بين الجماعات السياسية في زمن الحروب ، هي بروز ظاهرة تصنيع نوع جديد و سلبي من اللفظيات و التراكيب الخبرية والمصطلحات الاعلامية ، يتجسد بالتفنُّنِ في تسجيل اختراع إعلام التَجهيل و التزييف و إستثمار التزوير ، و إعادة تدوير المعلومات المزيّفة من خلال إدّعائية الحرص على جوهر الحقيقة والموضوعية و إعتماد تقنية التحقق من الخبر المزيّف و المُوَزّع و إعادة نفيه ، كظاهرة حسن نيَّة من الذين أمعنوا بإختلاقه و تركيبه و نشره !
و تشهد صناعة الأخبار و إختلاق الشائعات من قبل بعض المواقع الالكترونية ، نمطاً غريبا من أشكال التزوير و الإختلاق الخبري ، حيث يمعن الهواة العاملون في المواقع و المنصات الإخبارية و النقلية ، و هم خارج التوصيف المهني و التخصصي ، بتأليف روايات و قصص خبرية و يجهدون في إستثمارها ، ترويجاً و إستهدافاً و إبتزازاً ، وكلها تصرفات خارج المألوف في السلوكيات الاعلامية الرصينة وأخلاقيات المهنة ومفهوم المواطنة ، الأمر الذي يعرّض العمليات التعريفية ، التي تشكّل رسالة الاعلام و ابرز أهدافه ، الى تصدّع الثقة بكل ما يُنشرُ و يُنقلُ و يوزّع من خلالها . فينتج عن ذلك أن تحدث تطورات متسارعة تؤدّي الى ( التجهيل ) الذي هو ابعد و اكثر خطورة من عمليات التزوير و التضليل و التحوير ، فإتّجهت بعض المنصات و المواقع إلى اختلاق خبر و من ثم تدّعي مراجعته للتأكد من مصدريّته و تنفيه ، و كأنها تؤدي خدمة إعلامية للجمهور المدقّق و الحريص على المعلومة النظيفة .
هذه الحالات الانتهازية التي تنتشر في المواقع الإعلامية و المنصات التواصلية الرقمية ، تضع الوسائل الإعلامية الرصينة و الحريصة على (الجودة الخبرية) و نوعيتها امام مسؤوليات الحفاظ على ثلاث قيم تنظّم روحية الاعلام و وظيفته ، أوّلها رسولية المهنة ، و ثانيها كرامة الإعلاميين ، و ثالثها تقديم خدمة معرفية نظيفة للجمهور ، كي لا يقع ضحية تجهيل و إبتزاز و تزوير و تزييف مقصود يخدم مصالح وأجندات خاصة، على حساب مصلحة الوطن .
