يقال الكثير في أسباب العنف السياسي وخطاب الكراهية. وكتب الكثير في أسباب الشقاق والانقسام، وأخطره ذلك الذي يقسم الناس بين الأنا والآخر، بين نحن وهم. القاسم والمقسوم، من تراب وإلى تراب. وبين ما يظن الناس أنه مدعاة إلى تقسيم المقسم الكثير من القواسم المشتركة، وأهمها أننا نواجه مصيرا واحدا، كأبناء الأسرة الآدمية وسكان كوكب الأرض.تصدت أفلام الخيال العلمي لذلك المصير المشترك عبر عدد من الأفلام الأمريكية الشهيرة، بعضها تعامل مع عوامل الطبيعة وبعضها الآخر تحديات الحروب. فيما بلغت مخاوف من تعنيهم الدراسات المستقبلية حد الإعداد ليوم قد لا تكون فيه سبل النجاة للبشر والكائنات الحية من نيزك، سوى طلعة جوية فضائية موحدة يشارك فيها أعداء الأمس مهمة إنقاذ كوكبنا الأزرق!
إيلون ماسك أخذ الأمر أبعد من ذلك، فيمّم صوب الكوكب الأحمر المريخ، طلبا للنجاة مما وصفه التهديد الوجودي الذي قد يمثله يوما ما «الذكاء الاصطناعي»، و»الروبوتات» فائقة الذكاء، سيما قدرتها على الاستقلال التام عن إرادة وإدارة مصمم «الروبوت» – الإنسان الآلي – ومصنّعه معا.
الأحداث الأخيرة، ليست المتعلقة فقط بالعنف السياسي بل والاجتماعي أيضا – وهو أشد فتكا وأبلغ وأبعد أثرا- تشير إلى أن الفضاء الأزرق بمعناه السيبراني، ساهم بتعزيز الانقسام عموديا وأفقيا وتشظيه على نحو انشطاري لا تبدو له نهاية، في أكثر من بلد وساحة إقليمية.
وقد لعبت عولمة ورقمنة الصحافة والثقافة دورا كبيرا في انتشار وتفعيل الاتصال والتواصل، لكن بعض المسيئين إلى أمانة الكلمة والمعلومة ساهموا للأسف في استغلال ذلك الانتشار وقاموا باسم «حرية التعبير» بزرع بذور الشقاق والنزاع بين الأنا والآخر.
الأخطر من «النيو ميديا» هو الدور الذي لعبته غرف الدردشة السوداء في سراديب العالم السفلي للشبكة العنكبوتية، سواء عبر منصات «التواصل الاجتماعي» أو «ألعاب الفيديو»، في بث الأحقاد والضغائن القائمة على برمجيات -قائمة بذاتها- في تخليق الأخبار والمحتويات المضلّلة، الداعية إلى ليس فقط كراهية الآخر، بل إلى شطبه، بمعنى ابتزازه، إرهابه (تخويفه)، وحتى قتله.
ما من أحد يستطيع الادعاء بالدهشة أو الصدمة من أن أمرا جللا قد وقع هكذا صدفة أو فجأة، لأنه «قبل وقوع الفاس بالراس» كما يقال، هناك إرهاصات تشير بوضوح إلى أن ثقافة إلغاء الآخر، دائما تبدأ رويدا رويدا، بخسة وغدر، تبدأ بالإقصاء فيما يعرف منذ ولاية الرئيس الأسبق أوباما بثقافة الإلغاء أو الشطب، حيث تم تصوير معارضي سياساته الداخلية -الاجتماعية على وجه الخصوص- بأنهم متطرفون وليسوا وطنيين أو محافظين، أو مجرد منتمين إلى الحزب الآخر -الجمهوري- في وطن واحد، يحكم الجميع بالدستور، وبالقيم الروحية والإنسانية العليا التي أرسى قواعدها الآباء المؤسسون.
بين الشاطب والمشطوب الكثير الذي يستحق التعامل بمنتهى الحرص وبشيء من الورع..
