لم يأتِ رد فعل إيران على الهجوم الإسرائيلي الأميركي عليها بإغلاق مضيق هرمز، من بين ردات فعل أخرى، عشوائياً، بل جاء كرد فعل مدروس يستهدف بشكل مباشر مصالح الولايات المتحدة. وفي قراءة سريعة لأهمية مضيق هرمز للولايات المتحدة على وجه الخصوص، وسياستها لاحتواء التصعيد مع الحوثيين نهاية عام ٢٠٢٣ في مضيق باب المندب، يمكن فهم تطورات الأزمة الأخيرة في المنطقة. ورغم أن المضيق لم يكن من بين نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران قبل الحرب، فقد أصبح الآن أولوية، خصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة حصاراً على السفن والموانئ الايرانية المحيطة بمضيق هرمز، ومطالبة إيران في المفاوضات المباشرة بين البلدين في إسلام آباد بسحب تهديداتها المتعلقة بذلك المضيق.
يعتبر مضيق هرمز أهم ممر بحري للطاقة في العالم، يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، ويمر عبره حوالي ٢٠٪ من استهلاك النفط العالمي يوميًا، وثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال. يقع المضيق ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، ويخضع لتطبيق نظام «المرور العابر» وفق اتفاقية قانون البحار، التي لا تجيز فرض رسوم على عبوره، كما هددت إيران، واعتبرته المنظمة البحرية الدولية سابقة خطيرة.
تلعب الولايات المتحدة دوراً مهماً في تأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز. فمن خلال الأسطول الخامس، الذي يعد من بين مهامه المعلنة “حماية حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز”، تقوم الولايات المتحدة بحماية السفن ومرافقة ناقلات النفط عند الحاجة والردع ضد التهديدات. تمتلك الولايات المتحدة بذلك ما يطلق عليه بـ «سيطرة كلاسيكية» على المضيق، من خلال قدارتها العسكرية العالية المنشرة في المنطقة وحوله، ممثلة بحاملات طائرات، ومدمرات وأنظمة دفاع صاروخي، وطائرات الاستطلاع والمراقبة، وذلك في الأحوال الطبيعية، أي قبل حدوث أي أزمة.
كما تمتلك الولايات المتحدة في الخليج قدرة جوية متمركزة في قاعدة العديد في قطر تتنوع ما بين طائرات استطلاع ومراقبة وطائرات مقاتلة (F-15, F-16, F-35)، ناهيك عن امتلاكها لأنظمة الدفاع الصاروخي مثل Patriot و THAAD، الموجودة في السعودية والإمارات وقطر. بالإضافة إلى ذلك تحتفظ الولايات المتحدة بقوات برية تقدر أعدادها بعشرات الآلاف من الجنود في المنطقة، وإن تغير ذلك العدد حسب التطورات في المنطقة، وتتمركز تلك القوات في القواعد المقامة في الكويت والبحرين والإمارات.
جاء ذلك التواجد العسكري الإستراتيجي المحكم والمتكامل في المنطقة متدرجاً. بدأ ذلك تاريخياً بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة، وذلك بالاعتماد على حلفائها، خصوصاً السعودية ونظام الشاه في إيران، دون اضطرارها لنشر قوات أميركية كبيرة. إلا أن نجاح الثورة الإسلامية في إيران في العام ١٩٧٩، أرّخ لبداية الوجود العسكري الأميركي الفعلي، والذي تجسد عملياً بإعلان الرئيس الأميركي جيمي كارتر عن عقيدته الأمنية في العام ١٩٨٠. وتعتبر «عقيدة كارتر» أن أي محاولة للسيطرة على الخليج، ستُعتبر تهديدًا للمصالح الحيوية الأميركية وسيتم الرد عليها بالقوة. وتم بناء على تلك التطورات، إنشاء قوة التدخل السريع الأميركية في المنطقة في تلك الفترة. جاء التطور الثاني خلال حرب الخليج الأولى ما بين عامي ١٩٩٠ و١٩٩١، حيث بدأت الولايات المتحدة بنشر قوات عسكرية أميركية ضخمة وبناء قواعد عسكرية في المنطقة، بما فيها الأسطول الخامس، وتفعيل النظام العسكري البحري في العام ١٩٩٥، والذي تُرجم بوجود عسكري أميركي دائم، بما في ذلك القيادة البحرية والتواجد المستمر في «هرمز». جاءت النقلة النوعية التالية للتواجد الأميركي العسكري في المنطقة بعد الحرب على العراق في العام ٢٠٠٣، اذ باتت المنظومة الأميركية متكاملة بشكل يُحكم السيطرة على كافة المستويات الأمنية، والعسكرية البحرية، والجوية، والبرية.
تعتبر إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في الطاقة عالميًا. وتشكل منطقة الخليج، وما بين المضيقين هرمز وباب المندب، مركز اهتمام بالغ لواشنطن. تزود هذه المنطقة العالم بنسبة كبيرة من الإمدادات النفطية، ما يجعل استقراره عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي، الذي تقوده واشنطن. يشير صندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية من أكبر المستثمرين العالميين، ولها تأثير مباشر على الأسواق المالية الدولية وعلى رأسها السوق الأميركي. ووفق مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، يلعب المستثمرون الأجانب وعلى رأسهم دول الخليج دورًا مهمًا في سوق سندات الخزانة الأميركية. كما يمثل الخليج أحد أكبر أسواق السلاح الأميركي عالميًا، ما يجعلها مصدر دخل اقتصادي ضخم لواشنطن. لذلك تشكل حماية واشنطن لاقتصاد دول الخليج هدفاً محورياً. كما تهتم واشنطن أيضاً بحماية مصالح حلفائها، في أوروبا، واليابان وكوريا والهند في آسيا، الذين يعتمدون اقتصادياً على هذه المنطقة عموماً، ومضيق هرمز على وجه الخصوص. كما يحقق تواجد الولايات المتحدة العسكري في المنطقة عنصر ردع قوياً في مواجهة إيران بما يخدم تحديداً، وبشكل رئيس مصالح الحليف الإسرائيلي. اذاً تصب حماية الولايات المتحدة لهرمز في حماية النظام الاقتصادي العالمي، وتحقيق الهيمنة البحرية العالمية، وهو النظام الذي تقوده الولايات المتحدة بالمرتبة الأولى.
يأتي ذلك في إطار حسابات براغماتية أميركية مدروسة توازن بين تحالفها الاستراتيجي العميق مع إسرائيل، لكن مع الاحتفاظ بشراكتها الاقتصادية الهامة مع دول الخليج، وضمان استقرار الملاحة في منطقة الخليج، أي ضمان الاستقرار ما بين مضيقي باب المندب وهرمز، والذي يرتبط ارتباطاً جوهرياً بالعنصر السابق. وتعد تلك المعادلة الحساسة والخطيرة، أساس إستراتيجية ردة الفعل الإيرانية على الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها.
ردت إيران على الهجوم الأميركي الإسرائيلي الأخير عليها باعتماد استراتيجية «المنع أو الحرمان البحري»، في مضيق هرمز أي تعطيل العبور برفع تكلفته، في ظل وضع مضيق هرمز كنقطة اختناق استراتيجية، يمكن تعطيلها بسهولة، وموقعه بالنسبة لإيران، واستعداداتها العسكرية حوله. ونجحت إيران خلال الحرب في منع جهات معادية لها من الدخول عبر مضيق هرمز، وقللت من حرية عملها داخله. وتمتلك إيران، بحكم موقعها الجغرافي، سيطرة مباشرة على الساحل الشمالي للمضيق، وتؤمّن موقعها ومصالحها في منطقتها، في الأحوال الطبيعية، بانتشار عسكري في جزر إستراتيجية مثل هرمز، قشم، أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى، وقدرات بحرية غير تقليدية للحرس الثوري، مدعومة بوجود زوارق سريعة وألغام بحرية وصواريخ ساحلية مضادة للسفن.
إن استراتيجة المنع والحرمان التي تبنتها إيران بعد الهجوم الأميركي والإسرائيلي عليها، وذلك بجعل مضيق هرمز غير قابل للاستخدام، من خلال رفع درجة المحاضرة، جاءت بهدف تحدي الولايات المتحدة على وجه التحديد، لأنها المسيطر الفعلي على المضيق قبل الحرب، بحجة حمايته، وبالتالي افتتحت إيران مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة بعد الحرب، مستخدمة الضغط الاقتصادي الذي نتج عن ذلك كأحد وسائل مواجهة العدوان عليها.
فرضت الولايات المتحدة، بعد خمسة أيام من دخول الهدنة حيز النفاذ، حصاراً بحرياً على حركة الدخول إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية في المضيق وخليج عُمان وبحر العرب. ويبقى تنفيذ المخطط الأميركي معقداً، فرغم ضيق المضيق الذي يساعد جغرافيًا على تحقيق الحصار، ونجاح الخطة يحتاج لفرض امتثال للسفن العابرة، وهو أمر يسير، إلا أن إيران تستطيع مواصلة تهديداتها باستهداف سفن بعينها، الأمر الذي سيمنعها من المرور، حتى وإن حصلت على إذن أميركي. إلا أن هذه الإمكانية ليست مفتوحة لإيران بلا كلفة، فالولايات المتحدة أعلنت أنها ستستهدف أي زوارق هجومية إيرانية تقترب من قوة الحصار فوراً. ولكن تكمن المعضلة في أن حصار الولايات المتحدة للمضيق لم يغير من الواقع الذي فرضته إيران بعد الحرب، بتهديد أو منع السفن “المعادية”، وكل ما فعلته الولايات المتحدة هو توسيع دائرة ذلك المنع والتهديد كي يشمل السفن والموانئ الإيرانية أيضاً. تتطلع الولايات المتحدة من خلال خطة الحصار لفتح مضيق هرمز فوراً أمام حركة الملاحة، لإنقاذ الاقتصاد العالمي الذي تقوده، أي أن عامل الوقت هو الأساس في ذلك المخطط، وهو ما تستطيع إيران التحكم به.
من الصعب على إيران إغفال تجربة الولايات المتحدة في مضيق باب المندب في أواخر العام 2023. يعتبر أيضا مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو ١٠–١٢٪ من التجارة العالمية وكمية كبيرة من النفط والغاز، “عنق زجاجة” يؤثر على النظام العالمي، كنقطة استراتيجية حسّاسة تتقاطع فيها الأمن، الاقتصاد، والطاقة. بدأ الحوثيون في اليمن باستهداف سفن في البحر الأحمر وباب المندب، بهدف الضغط على إسرائيل بسبب حرب غزة. تسبب ذلك في تعطّل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وتحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الذي يعد أطول وأكثر تكلفة. في البداية، أطلقت واشنطن تحالفًا بحرياً لحماية الملاحة، ونفذت ضربات عسكرية محدودة ضد مواقع الحوثيين، لكنها تجنبت بعد ذلك حربًا شاملة في اليمن، ومالت لضبط التصعيد وإدارة الأزمة، بهدف حماية التجارة العالمية، وهو ما تعارض مع الموقف الإسرائيلي الذي آثر مواجهة أعنف.
إن هذه التطورات تفسر وجود بند يتعلق بحرية الحركة والأمن في مضيق هرمز من ضمن البنود التفاوضية العالقة بين الطرفين في المفاوضات الثنائية الحالية الجارية في إسلام آباد، في أعقاب هدنة الأسبوعين التي شارفت على الانتهاء. فرغم فرض الولايات المتحدة حصاراً على السفن والموانئ الإيرانية، وأثر ذلك الاقتصادي على إيران، كمحاولة للضغط عليها، تبقى قدرة إيران قائمة بتعطيل حركة الملاحة، ليس فقط في مضيق هرمز، بل أيضاً في مضيق باب المندب، وهو ما تعيه الولايات المتحدة جيداً. لذلك يبدو أن الهدنة ليست إلا مدخلاً لتفاهم تجده واشنطن مصيرياً، وبات الحديث عن الدخول لجولة تفاوضية ثانية، لجَسر الخلافات خصوصاً فيما يتعلق بالزمن المسموح به لتخصيب إيران لليورانيوم مؤشراً على ذلك، في ظل تفاهمات سابقة، توصل اليها الطرفان قبل هجوم واشنطن الأخير على إيران، حول نسبة التخصيب، ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، والتزام إيراني مسبق بعدم تسليح برنامجها النووي. من الواضح أنه من مصلحة الولايات المتحدة وإيران وقف الحرب والتفاهم عبر المفاوضات، وهوما لا تتردد طهران عن التصريح به، لكن يبقى عامل التأثير الإسرائيلي السلبي حاضراً، فهل تتغلب جميع تلك العوامل وتحبط مخططات إسرائيل.
