في مشهد يعكس تصعيدًا خطيرًا في وتيرة العنف، شهد لبنان يوم 8 نيسان/أبريل 2026 واحدة من أعنف موجات القصف، حيث تم تسجيل أكثر من 100 غارة جوية خلال فترة زمنية قصيرة، استهدفت مناطق متعددة من البلاد، من العاصمة بيروت إلى الضاحية الجنوبية والبقاع وجنوب لبنان. وقد أسفر هذا القصف عن سقوط ما بين 203 و254 شهيدًا، إضافة إلى أكثر من ألف جريح، في حصيلة أولية مرشّحة للارتفاع.
هذا الواقع الميداني لا يمكن فصله عن الإطار القانوني الذي يحكم النزاعات المسلحة. فالقانون الدولي الإنساني يضع قيودًا صارمة على استخدام القوة، وعلى رأسها مبدأ التمييز، الذي يُلزم أطراف النزاع بالتفريق بشكل واضح بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، الذي يحظر أي هجوم قد يسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
ضمن هذا الإطار، تُصنّف الهجمات العشوائية كأحد أخطر الانتهاكات، إذ ينظر إليها القانون الدولي الإنساني على أنها جرائم حرب محظورة حظرًا مطلقًا. وتُعرَّف هذه الهجمات، وفقًا للمادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، بأنها تلك التي لا تُوجَّه إلى هدف عسكري محدد، أو التي تُستخدم فيها وسائل أو أساليب قتال لا يمكن حصر آثارها، ما يؤدي إلى إصابة المدنيين والأعيان المدنية دون تمييز.

#image_title

#image_title

#image_title
وتتجلّى صور القصف العشوائي في عدة ممارسات، من بينها استهداف مناطق سكنية مكتظة بحجة وجود عناصر مسلحة، أو استخدام أسلحة لا يمكن توجيهها بدقة في بيئات مدنية، أو تنفيذ هجمات واسعة النطاق لا تفرّق بين هدف عسكري وآخر مدني. وفي جميع هذه الحالات، يكون المدنيون هم الضحية الأولى.
ولا يقف الأمر عند حدود الحظر، بل يمتد إلى المسؤولية القانونية. فالهجمات العشوائية التي تؤدي إلى قتل أو إصابة المدنيين تُعدّ جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ما يفتح الباب أمام مساءلة جنائية فردية لكل من يثبت تورطه، سواء كان من صانعي القرار أو المنفذين على الأرض.
كما يفرض القانون الدولي الإنساني التزامًا واضحًا باتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين، وفقًا للمادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول. وبالتالي، فإن أي هجوم يفشل في مراعاة هذه الاحتياطات، أو يؤدي إلى خسائر واسعة في صفوف المدنيين، لا يمكن تبريره تحت ذريعة “الأضرار الجانبية”.
إن ما جرى في لبنان في ذلك اليوم يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة هذه الهجمات ومدى التزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة في ظل كثافتها واتساع نطاقها الجغرافي وارتفاع عدد الضحايا. فالهجمات العشوائية ضد المدنيين، إلى جانب ممارسات العقاب الجماعي، تُعدّ انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب، وتستدعي تحقيقًا دوليًا شفافًا ومحاسبة المسؤولين عنها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بالأرقام، بل بحياة المدنيين وحقوقهم الأساسية. فحين يتحول القصف إلى فعل غير مميّز، تسقط معه الحدود بين الهدف العسكري والإنسان، ويصبح القانون الدولي الإنساني أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية من يفترض أنهم خارج دائرة الحرب
