عروبة الإخباري –
في هذا النص، لا نقف أمام قصةٍ تُقرأ ثم تُطوى… بل أمام أسطورةٍ صغيرة تتنفس داخل الكلمات، تنبض من بين السطور كما لو أن الحروف نفسها قد تعلّمت كيف تحلم.
إن الكاتبة رانية يحيى لا تكتب الحكاية… بل تُشعلها، تأخذ الفكرة البسيطة بيدٍ هادئة، ثم ترفعها إلى مقام الضوء، لتتحول إلى رحلةٍ إنسانيةٍ كاملة، فيها الطفولة ليست عمرًا… بل حالة روح، وفيها الحلم ليس رغبة… بل قدرٌ يمشي على قدمين.
في “حلم فريدة” لا نقرأ قصة فتاةٍ تعزف وترقص وتلعب كرة القدم فحسب، بل نرى كونًا صغيرًا يُعاد تشكيله داخل إنسان واحد. فريدة ليست شخصية… بل رمز، ليست بطلة حكاية… بل مرآة لكل من سقط ثم قرر أن ينهض وهو يشتعل من الداخل.
أسلوب الكاتبة رانية يحيى هنا يشبه عاصفةً من النور: هادئة في ظاهرها، لكن داخلها نار الإرادة تتقد بلا انطفاء. كل جملة عندها ليست جملة عابرة، بل خطوة على طريقٍ طويلٍ نحو المجد، وكل وصفٍ هو نافذة تُفتح على عالمٍ أكبر من الكلمات.
تجعلنا رانية يحيى نشعر أن الموسيقى ليست أصواتًا فقط، بل نبض، وأن الباليه ليس حركة، بل صلاة للجمال، وأن كرة القدم ليست لعبة، بل معركة كرامة بين الإنسان وحدوده. وفي كل ذلك، تزرع فكرة واحدة عظيمة كأنها حجر أساس الكون: أن الإنسان لا يُقاس بما يسقط منه، بل بما ينهض إليه.
وحين تصل فريدة إلى لحظة الفشل، لا تنكسر القصة… بل تبدأ الحقيقة. هنا تحديدًا تتحول الكتابة إلى نارٍ صافية: لحظة سقوط تُكتب لا لتُحزننا، بل لتُشعلنا. ثم يأتي القرار… ذلك الصوت الداخلي الذي يشبه الرعد الهادئ: “سأصبح أقوى.”
ومن هذه اللحظة، تتحول القصة إلى صعودٍ أسطوري، كأن الإرادة جناحان ينبتان في الظلام. التدريب يصبح طقسًا، الألم يصبح مدرسة، والرفض يصبح بوابة عبور لا عقبة.
ثم نراها تكبر… لا جسدًا فقط، بل روحًا، تتسع، تتصلّب، تتوهج. تصبح من أولئك الذين لا ينتصرون على الآخرين، بل ينتصرون على النسخة القديمة من أنفسهم.
وفي الخلفية، تقف الكاتبة رانية يحيى كأنها ساحرة نورٍ هادئة، تُدير هذا العالم بذكاءٍ شعريٍّ عجيب: لا ترفع صوتها، لكنها تجعل القلب يسمع. لا تصرخ بالحكمة، لكنها تزرعها فينا حتى تنبت وحدها.
إنها لا تقول لنا “كونوا أقوياء”… بل تجعلنا نرى كيف يُصنع القوي خطوةً خطوة، دمعةً دمعة، فشلاً ففشلًا، ثم ضوءًا فضوءًا.
وهكذا لا تنتهي القصة عند فريدة، ولا عند نجاحها، ولا حتى عند حلمها بأن تصبح عظيمة مثل الكبار… بل تمتد أبعد من ذلك بكثير: إلى كل قارئٍ أغلق الكتاب وهو يشعر أن داخله شيء قد تغيّر.
فهذا هو سحر رانية يحيى الحقيقي: أنها لا تكتب قصة تُقرأ… بل تكتب قصة تُوقظ…. قصة تجعل الفشل يبدو كأنه بداية المجد، وتجعل الحلم يبدو كأنه واجبٌ على الحياة أن تحققه.
وفي النهاية، يبقى اسمها محفورًا في ذاكرة النصوص كأنه توقيعٌ من نور على جدار الأدب: كاتبة لا تصف الحياة… بل تُعيد خلقها بالكلمة.
