عروبة الإخباري كتبت د. عبير العربي –
في عالمٍ يتسارع نحو الشاشات والكتابة الرقمية، يظل القلم — رغم بساطته — شاهدًا أصيلًا على أعظم لحظات الوعي الإنساني. وفي اليوم العالمي للقلم الرصاص، لا نحتفي بأداةٍ عابرة، بل برمزٍ ممتدٍّ في عمق التاريخ، بدأ به الإنسان أولى خطواته نحو التعبير، ودوّن به أفكاره، وخطّ به أحلامه، ثم عاد إليه ليصحّح ويعيد ويجرّب من جديد.
القلم الرصاص ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل فلسفة كاملة في التعامل مع الحياة؛ فهو يعلّمنا أن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن كل ما نكتبه يمكن مراجعته، وأن هناك دائمًا مساحة للمحو… وإعادة المحاولة. هو الأداة التي تمنحنا شجاعة البدء دون خوف، وتذكّرنا أن الكمال لا يُطلب من البداية، بل يُصنع عبر التجربة.
ولا يغيب عن هذا المعنى ذلك القسم الإلهي العميق الذي يرفع من شأن القلم والكتابة، حين يقول الله تعالى:
“ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”
وهو قسم يحمل في طياته دلالة عظيمة على قيمة الكلمة، وقدسية التدوين، وأثر ما يُكتب في تشكيل الوعي وبناء الحضارات. فالقلم لم يكن يومًا مجرد أداة، بل كان ولا يزال وسيلةً للمعرفة، وسلاحًا للفكر، وجسرًا بين الإنسان ونفسه والعالم.
وفي زمنٍ تتزاحم فيه الكلمات وتضيع فيه المعاني، يبقى القلم الصادق هو ما يُحدث الفارق؛ الكلمة التي تُكتب بوعي، قد تُنقذ إنسانًا، أو تُلهم روحًا، أو تُغيّر مسار حياة. وربما لهذا السبب، كان القلم حاضرًا في لحظة القسم… لأن ما يُسطر به، ليس عابرًا.
في اليوم العالمي للقلم الرصاص، لعلنا لا نحتفي بالقلم ذاته فقط، بل بما يرمز إليه:
بالبدايات، بالمحاولات، بالأخطاء التي علّمتنا، وبالشجاعة التي دفعتنا لنكتب رغم كل شيء.
ولعلنا نتذكر دائمًا…
أن أثرنا في هذه الحياة، قد يبدأ بسطر.
