ضجت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التونسية بخبر إيقاف فتاة تونسية وإيداعها السجن في المملكة العربية السعودية جراء تصويرها فيديو نشرته على صفحاتها توثق فيه أحياء مجاورة للحرم المكي مستنكرة الوضع التي هي عليه، وقامت بمقارنات بين السعودية وتونس، معتبرة أن ما رأته دليل تفاوت طبقي بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، ومستغربة من أن مثل تلك الأحياء البسيطة والقديمة توجد في السعودية.
من الذي أوهم أمثال هذه الفتاة بأن السعودية دولة معمارها على الطراز الحديث من شمالها إلى جنوبها؟ ومن الذي سمح لهم بالتجول وسط الناس وهم يطلقون عبارات الاستغراب والاستنكار والمقارنات، رغم أن المكان عادي ويوجد مثله في كل الدول؟
لا يمكن ألا يتعاطف الناس مع الفتاة، فالسجن عقوبة غير هينة، لكن متى يتعلم المرء ألا يتدخل في شؤون الآخرين؟ متى يصب الإنسان تركيزه على بلاده ويفهم أن أهل مكة أدرى بشعابها؟
هذا المثل العربي القديم يبدو اليوم أكثر حداثة مما نظن. لم يعد يقتصر على الجغرافيا أو المهن، بل صار مرآة دقيقة لعالم رقمي يفيض بالصور والمقاطع والآراء، حيث يعتقد كثيرون أن امتلاك هاتف ذكي يكفي ليكون الإنسان شاهدا، ومحللا، وناشرا في آن واحد.
لقد كسرت الهواتف الذكية والسوشيال ميديا الحواجز بين الناس والمعلومة، وهذا في ظاهره مكسب عظيم، لقد منحتهم فرصة أن يحرروا أصواتهم ويتكلموا في كل شيء، لكن المشكلة بدأت حين اختلطت حرية النشر بغياب الوعي، فأصبح كل مشهد قابلا للتصوير، وكل لحظة صالحة للبث، دون أدنى اعتبار للسياق أو الخصوصية أو حتى الحقيقة والحدود والأخلاقيات التي يدركها من يملك هاتفا لكنه صحافي تعلم ضوابط التصوير والنشر. هنا تحديدا يبرز المثل: ليس كل من رأى مشهدا أدرك حقيقته، وليس كل من التقط صورة فهم أبعادها.
في الماضي كان نقل الخبر أو الصورة مسؤولية يتحملها من يملك الخبرة: صحافي يعرف قواعد النشر والتحقيق وعواقبها، أو مصور يدرك أخلاقيات المهنة. أما اليوم، فقد تحول الجميع إلى ناشرين بلا تدريب ولا مساءلة حقيقية. والنتيجة؟ فيض من الفيديوهات المقتطعة من سياقها، وأحكام سريعة، وتشويه للوقائع، بل وأحيانا إيذاء مباشر لأشخاص لم يختاروا أن يكونوا مادة للعرض.
حوادث تذكرنا أيضا بمثل “يا غريب كن أديب” أي لا تتطفل وتنتقد بلدا لا تعرفه أكثر مما يعرفه أهله، وتذكرنا بأن تصوير حادث، أو موقف إنساني، أو حتى مشهد يومي، ليس فعلا بريئا دائما، لكن ثقافة اضغط وصور وانشر واركض خلف المشاهدات والشهرة حولت الحياة إلى مادة للفرجة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات خلقت وهما جماعيا: أن امتلاك هاتف يعني امتلاك معرفة، تماما كما لو ظن شخص أن حمله لسماعة الطبيب يجعله قادرا على التشخيص. تنسى الأغلبية أن امتلاك الهاتف لا يبرر التعدي على خصوصيات الآخرين.
ليس المطلوب أن نصمت أو نتوقف عن التوثيق، بل أن نعيد الاعتبار للوعي، وأن نسأل قبل أن نصور: هل يحق لي النشر؟ متى التوقيت المناسب لنشر ما وثقته؟ هل أؤذي أحدا بنشر ما وثقته؟ هل في ما سأنشره خطر علي؟ وأن ندرك أن بعض الشعاب الرقمية لها أهلها أيضا من خبراء يعرفون حدود النشر ومسؤولياته.
هذه الحادثة تعلمنا أنه في زمن السرعة يصبح التريث شجاعة وحكمة، وفي عالم مفتوح يصبح الانضباط قيمة والفضول المبالغ فيه كارثة على صاحبه، وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو أن نعيد إحياء المثل العربي كقاعدة أخلاقية رقمية: أهل مكة أدرى بشعابها وليس كل ما يرى ينشر.
