هناك لحظة فارقة تستحق التوقف عندها بجدية وهدوء غاضب: لماذا تبدو بعض العواصم العربية والإسلامية أقرب إلى تبرير العدوان الإيراني على دول الخليج، أو المرور عليه ببرود، بينما تتناسى عمداً ما قدّمته دول الخليج نفسها لعقود من دعم واستقرار وتمويل لبقاء أنظمة قائمة حتى اليوم؟ في تقديري، المسألة لا تتعلق بسوء تقدير عابر، بل باختلال عميق في تعريف المصالح والتحالفات، سمح لإيران بأن تتحول خاصة في وعي بعض النخب والأنظمة العربية إلى عمق استراتيجي يتقدم، في بعض الحالات، على محيطها العربي الطبيعي.
ولعل أوضح تجليات هذا النمط أن بعض هذه الدول لم تتردد في اتخاذ مواقف رمزية لافتة تجاه القيادة الإيرانية، في الوقت الذي تعاملت فيه مع استهداف أمن الخليج بقدر من التحفظ أو الغموض، بل وذهب بعض مسؤوليها إلى تبنّي خطاب يساوي بين الفعل ورد الفعل، أو يتجنب تحديد ما هو مطلوب بشكل واضح، وقد ظهر هذا النمط في أكثر من محطة دبلوماسية وتصريحات رسمية خلال الفترة الأخيرة، بما يعكس اتجاهاً مستقراً لا موقفاً عابراً
لفهم هذا التباين، لا بد من النظر إلى البعد الأيديولوجي، فالعلاقة بين إيران وبعض هذه الدول ليست علاقة مصالح ظرفية فقط؛ هناك مشتركات تاريخية وعقدية وسياسية جعلت طهران أقرب إلى وجدان هذه الأنظمة من جيرانها الخليجيين العرب. الحقيقة، إنها أنظمة ثورية قامت على خطاب المظلومية، مقاومة الإمبريالية، وإسقاط الأنظمة الرجعية، تجد في إيران مرآة لذاتها، وراية أوسع ترفع فوقها شعارات مشابهة، وفي المقابل، تبدو لها الملكيات الخليجية تجسيداً للنموذج الذي وُجدت أصلاً لمعارضته؛ من حيث الاستقرار، المحافظة، الشرعية التقليدية، والبراغماتية الاقتصادية التي لا تُتيح لها التغطية الأيديولوجية التي تحتاجها لتبرير استمرارها رغم الفشل الداخلي.
في المقابل، دول الخليج قدّمت ما لم تقدمه أي قوة إقليمية أخرى للعالم العربي والإسلامي؛ مئات المليارات في شكل منح وقروض ومساعدات، إنقاذ اقتصادات، تمويل موازنات، دعم عملات، واستيعاب ملايين العمال. ومع ذلك، فشلت إلى حد كبير في ترجمة هذا السخاء إلى نفوذ سياسي صلب أو منظومة ولاء واضحة. بلا شك، فإن المال الخليجي وُزّع في كثير من الأحيان بلا اشتراطات سياسية حقيقية، بلا بناء شبكات فكرية وإعلامية، بلا استثمار في النخب والروايات، حتى تحوّل في وعي كثيرين إلى “حق مكتسب”، الأسوأ أن بعض المستفيدين من هذا الدعم صاروا يتعاملون مع أي توقف فيه كـ“خيانة” لا كإعادة تقييم طبيعية لعلاقة مختلة منذ البداية.
الأنظمة “الثورية” لا تحتاج فقط من يدفع فواتيرها بل من يُضفي معنى على وجودها ويمنحها عدواً مشتركاً وقصة ترويها لشعوبها وهذا بالضبط ما فعلته إيران وأتقنته
من جانب آخر، فإن إيران أتقنت صناعة سردية تمنح الأنظمة الثورية معنى لوجودها: “أنتم جزء من محور مقاوم للتطبيع، من جبهة صامدة بوجه الغرب والصهيونية، من معسكر تاريخي يواجه الأنظمة الرجعية”، في هذه السردية، الخليج ليس مجرد خصم سياسي، بل رمز لمنظومة يريدون تقويضها منذ اليوم الأول.
الأنظمة الثورية لا تحتاج فقط من يدفع فواتيرها، بل من يُضفي معنى على وجودها ويمنحها عدواً مشتركاً وقصة ترويها لشعوبها، هذا بالضبط ما فعلته إيران وأتقنته؛ حيث قدّمت نفسها كحامل لواء الصراع مع أمريكا وإسرائيل، كصوت المستضعفين، كقوة تواجه الهيمنة الخليجية والتبعية، هي رواية مليئة بالازدواجية والنفاق السياسي، لكنها فعّالة في تعبئة الجماهير ومنح الأنظمة الحليفة شعوراً زائفاً بالبطولة.
هذه الأنظمة التي تنحاز لإيران وتتغافل عن عدوانها لا تستحق أن يُقال في حقها إنها أخطأت في الحساب أو وقعت في فخ السردية – هذا تلطيف لا يليق بحجم الجريمة السياسية المرتكبة. الحقيقة، هي أنظمة اختارت بوعي تام وبارد أن تبيع موقفها من أمن الخليج مقابل ضمانات بقائها على كراسيها، وهي تعلم تماماً ما تفعله، حين يُساوي نظام عربي او إسلامي بين المعتدي والمعتدى عليه، أو يلتزم الحياد حين تُستهدف سيادته، أمن مواطنيه، ومنشآت النفط الخليجية أو تُهدد الملاحة في مضايق المنطقة، فهو لا يمارس دبلوماسية مستقلة بل يؤدي خدمة مدفوعة الثمن لطرف على حساب طرف، ثم يرتدي ثوب الحكمة والاتزان وهو يفعل ذلك.
الأشد مرارةً أن هذه الأنظمة تتلقى الدعم الخليجي بيد، وتُعبّئ شعوبها ضد الخليج باليد الأخرى – تأخذ الوديعة في البنك المركزي صباحاً، وتبث خطاب المقاومة ضد الرجعية الخليجية مساءً. هذا ليس تناقضاً سياسياً – هذا نفاق استراتيجي مُحكم يعكس طبيعة أنظمة لا تؤمن بمبدأ أصلاً، بل تتاجر بكل المبادئ في سوق واحدة اسمها البقاء. والأقسى من كل ذلك أنها تفعل هذا باسم شعوبها، وهي الشعوب ذاتها التي يعمل أبناؤها في الخليج ويعيشون على تحويلاتهم، ويعرفون جيداً – خلافاً لحكوماتهم – أين يقع الجميل الحقيقي ومن يستحق الوقوف إلى جانبه.
ما يغيب عن أذهان هذه الأنظمة – أو تتغافل عنه – أن إيران لا تمنح تحالفاً مجانياً، بل تفرض ثمناً استراتيجياً باهظاً، من اختراق سيادة القرار الوطني، وعسكرة المجتمع، تحويل الدولة إلى ساحة صراع بالوكالة، ومصادرة المستقبل لصالح مشروع إمبراطوري مغلف بالشعارات.
المطلوب اليوم ليس البكاء على الجحود، بل إنهاء هذه المعادلة المختلة من أساسها، وأن لا دعم بلا موقف، ولا شراكة مع من يساوي بين أمن الخليج وخصومه، ما أثبتته التجربة أن المال الذي لا يُربط بالالتزام السياسي يتحول إلى استنزاف مفتوح، لا إلى نفوذ، والاستمرار في هذا النهج لم يعد كرمًا سياسياً، بل خطأ استراتيجياً لا يمكن تكراره.
عندها، لن يكون السؤال لماذا يتواطأ البعض على الخليج؟ ، بل لماذا تأخر الخليج في حماية نفسه من هذا النوع من الحلفاء قبل خصومه؟
