عروبة الإخباري –
في هذا الزمن الذي تتزاحم فيه الضوضاء أكثر مما تتزاحم الحقائق، وتُختصر فيه القضايا الكبرى إلى عناوين سريعة عابرة، يظل هناك من يكتب لا ليُضاف إلى الضجيج، بل ليُعيد ترتيب المعنى من جديد. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الدكتورة هبة بيضون كصوتٍ كتابيٍّ يحمل فلسطين لا كموضوع، بل كهويةٍ كاملة تسكن النص وتنبض بين السطور.
هي ليست كاتبة تمرّ على القضية كما تمرّ الأخبار على الشاشات، بل هي كاتبة تدخل إلى عمقها، إلى جذورها الأولى، إلى الذاكرة التي لم تُغلق أبوابها رغم كل ما حاول أن يُغلقها. في مقالاتها، لا تكون فلسطين مجرد جغرافيا، بل تتحول إلى سؤالٍ مفتوح على الألم، وعلى التاريخ، وعلى الإنسان حين يُحاصر بين الحقيقة والتزييف.
تكتب الدكتورة هبة بيضون وكأنها لا تشرح الواقع، بل تُنصت إليه. وكأن كل مقال لديها هو محاولة لإعادة الاعتبار لصوتٍ مهدور، أو لحكايةٍ حاولت أن تُدفن لكنها بقيت تنبض تحت الركام. هناك في نصوصها، لا تجد برود التحليل المجرد فقط، بل تجد حرارة الموقف، وارتجاف المعنى، وصدق الانحياز لما تعتبره حقًا لا يسقط بالتقادم.
في عالمٍ تتنازع فيه الروايات، يصبح القلم ساحة مواجهة لا تقل شراسة عن أي ميدان آخر. وهنا، تأخذ كتاباتها شكلًا يتجاوز المقال التقليدي، لتصبح فعلًا من أفعال الوعي، ومحاولة دائمة لتثبيت ما تحاول العواصف اقتلاعه: الحقيقة. فهي لا تكتب لتكون محايدة، بل تكتب لتكون شاهدة، والشهادة في زمن الالتباس ليست موقفًا سهلًا، بل عبءٌ ثقيل لا يحمله إلا من يؤمن بأن الكلمة مسؤولية.
وحين تقترب من نصوصها، تشعر أن فلسطين ليست مجرد موضوع سياسي، بل كائن حيّ يسكن اللغة، يتنفس بين الفواصل، ويصرخ أحيانًا بين الجمل الطويلة. كأنها تُعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والقضية، فلا يعود القارئ متفرجًا، بل شريكًا في الألم، وفي السؤال، وفي البحث عن معنى العدالة.
إن قوة كتاباتها لا تأتي فقط من مضمونها، بل من نبرة الإصرار التي تسكنها. نبرة تُشبه من يعرف أن الصمت خيانة، وأن الحياد في بعض اللحظات شكل آخر من أشكال الغياب. لذلك، فإن كل مقال لها يبدو وكأنه محاولة لإبقاء الذاكرة يقِظة، ومنع العالم من أن يعتاد على ما لا يجب أن يُعتاد عليه.
وفي زمنٍ يُستنزف فيه المعنى، تصبح الكتابة فعل مقاومة بحد ذاته. وهنا تتجلى قيمة هذا النوع من الأقلام التي لا تكتفي بوصف الألم، بل ترفض أن تجعله طبيعيًا. فالدكتورة هبة بيضون، في هذا السياق، ليست مجرد ناقلة لفكرة، بل صانعة لوعي، تعيد تشكيل الأسئلة بدل أن تقدم إجابات جاهزة.
إن حضور فلسطين في مقالاتها ليس حضورًا عابرًا، بل حضورًا مركزيًا، كأن النص كله يدور حول فكرة واحدة: أن هذه القضية لا تُنسى، ولا تُختصر، ولا تُمحى بالتكرار أو التجاهل. هي تكتبها كمن يكتب اسمه على جدار الذاكرة كي لا يُمحى، وكمن يضع في كل جملة حجرًا صغيرًا في بناء رواية لا تزال تُكتب.
وهكذا، بين لغةٍ مشبعة بالوعي، وموقفٍ لا يخشى الوضوح، ومساحةٍ فكرية لا تتنازل عن عمقها، تتشكل تجربة كتابية ترى في المقال أكثر من نص، وترى في الحرف أكثر من وسيلة. إنه موقف، وهوية، وامتداد لصوتٍ يؤمن أن فلسطين ليست حدثًا… بل حقيقة مستمرة، تُكتب كل يوم من جديد.
وفي النهاية، تبقى كتابات الدكتورة هبة بيضون شهادة على أن الكلمة حين تكون صادقة، لا تحتاج إلى صخب كي تُسمع، بل يكفيها أن تكون مشتعلة من الداخل… لتصل، وتبقى، وتؤثر.
