منذ بواكير تأسيس الدولة الأردنية الحديثة في مفتتح القرن الماضي، والأردن الرسمي والشعبي يندمجان في بوتقة واحدة، ضمن نهج واضح الملامح وثابت القواعد؛ فالسياسة الأردنية عربيًا وإقليميًا راسخة التوجهات، وذات بوصلة لا تحيد عن الصواب ولا تحابي الباطل، وإن تلون هذا الباطل بلون الحق الزائف، أو تلفظ بلفظ الصديق الغيور، وهو يضمر حقدًا دفينًا ومكرًا مؤذيًا. فالبصيرة السياسية والاجتماعية الأردنية لا يتشابه عليها البقر، ولا يغرها بريق الشعارات، بل تنظر إلى فعل اليدين، وإلى مؤامرات تُحاك في العتمة وتنتظر فرصة الانقضاض. وقد عانى الأردن خلال مسيرته من محاولات لا تكل للنيل من سلامته وأمنه وبنيته السياسية ومتانته الاجتماعية، لكنها جميعها تكسرت على أسوار قلعته العالية والصلبة، بالإضافة إلى صلابة مؤسساته الأمنية والعسكرية، المبنية على أسس من العدالة والقانون والحكمة.
الإقليم الشرق أوسطي دائم التحول والتغيير، وهي ليست تحولات طبيعية بحكم التطور والتنمية الاقتصادية والثورة الثقافية، بل هي تحولات قسرية ناتجة عن انقلابات عسكرية، وأطماع إقليمية فجة، وتحويل مكونات ديمغرافية أصيلة في عدد من الدول إلى ميليشيات مسلحة منسلخة عن بعدها الوطني، لتصبح تابعة وذراعًا للدولة الخارجية الممولة والراعية والطامحة في زعزعة أمن وسلامة هذه الدول بهدف السيطرة عليها، أو التحكم بقراراتها ومصادرة سيادتها بما يشبه الاستلاب الكامل. والأمثلة الحية في الإقليم، للأسف، ناصعة وساطعة سطوع الشمس. وبقي الأردن، وحتى اللحظة، هدفًا وحلمًا يراود هذه الدول الساعية بكل مقدراتها إلى خلق الفوضى وخلخلة البنى الراسخة من أجل تحقيق أطماعها السوداء، متسلحة بالميليشيات وتجار المخدرات ومهربي الأسلحة، ومحاولة النفاذ من خلال الأنفس الرخيصة، وبعض الحركات التي تحاول دائمًا الاستقواء على الوطن بالخارج المتربص، في محاولة مكشوفة للتستر بالشعارات الشعبوية المخادعة لتنفيذ أجندات غير وطنية، تتكئ على مشاعر البسطاء وحماستهم اللحظية.
الثابت الأردني راسخ ومعروف، ودائمًا من السهل التنبؤ بالموقف الأردني من أي حدث كبير أو تحول إقليمي مؤثر، وهذا يؤكد أن مرتكزات النهج الأردني ليست مرحلية أو مصلحية عابرة، بل هي ترجمة لسياق سياسي وفهم عميق لمكانة الأردن ودوره في إقليم متلاطم بالأحداث العسكرية والانقلابات السياسية الجذرية هنا وهناك. ولعل هذا الفهم وهذا الرسوخ، والبوصلة التي لا تحيد ولا تتلون، هي أساس السياسة الأردنية غير المتناقضة والمتسمة بالحكمة والرشد، وهي قواعد الحكم ومداميك النهج الهاشمي القويم. ولا يمكن إنكار أن هذه المرتكزات هي من بنت الأمن وسيادة الأمان في الأردن حتى صار سمة البلد وثقة أهله.
الأصوات النشاز لم تغب طوال مسيرة الأردن؛ هي قليلة العدد، عديمة الحيلة، كثيرة الصراخ واللعب بالعواطف، ومحاولة بناء الوهم وتسويقه للبسطاء. أصوات غايتها التشكيك والتخوين، ومحاولة كسر الهمم وصرف الناس عن نهجهم الوطني الصافي، المبني على قيم العدالة وسيادة القانون، وعلى البوصلة التي تؤشر نحو العدو الساعي للنيل من الوطن ومواطنيه وإن تخفى بجلد حملٍ وديع. فهذا العدو من ذاك العدو؛ يختلفون فيما بينهم ويتفقون دائمًا علينا. إن الثابت الأردني يزعجهم، والنهج السياسي المبدئي يقض مضجعهم، وسلامة الأردن وصون حدوده وحفظ مكوناته لا يعنيهم في شيء، لأنهم وإن كانوا فيه فليسوا له، وإن تنعموا بنعمه صفقوا لغيره وهتفوا لمن يتربص به. وأرى أن الفرز قد حدث وترسخ، وأن القانون وحده الحكم، كما أن من حق الوطنيين أن يواصلوا عمليات الكشف والتعرية والعزل، وفي ذلك مساندة لمؤسسات الدولة وإسهام في حفظ الوطن وصون منجزاته.
وهنا لا بد أن يبقى الثابت الأردني أكثر ثباتًا ومنعة، وأن نحميه من أي تحولات غير طبيعية هدفها خلق الفوضى وسيادة الدمار وخدمة هذه القوى الطامحة والطامعة. فلقد أثبت التاريخ دائمًا أن الخونة لا تلفظهم أوطانهم وحسب، بل حتى الدول التي وظفتهم ضد وطنهم تكون أول من يتخلص منهم وينبذهم. فاليوم، ومع اشتداد الشدائد واختلاط الحابل بالنابل إقليميًا، يبقى الثابت الأردني شراع النجاة الأكثر وضوحًا ومتانة، وتبقى القيادة الأردنية المتيقظة الأكثر فهمًا وحكمة وحزمًا من أجل أردن موحد وأكثر قوة ومنعة.
