المخزون الاستراتيجي من الطاقة والغذاء مهم وأساسي في إدارة الازمات، لكنه وبكل تأكيد ليس ضمانه كافيه تدفعنا للإطمئنان، خاصة مع حرب لا احد يعرف متى تنتهي! فأخطر ما يمكن أن نقع الرهان على عامل الزمن لانتهاء هذه الأزمة، وإفتراض أن ما يحدث ” حرب أيام ” وستنتهي سريعاً. قد تكون هذه الفكره مريحه سياسياً لكنها اقتصادياً ذات كلفة عالية. فالمنطقة لا تعيش أزمة عابرة، بل تدخل حالة من عدم اليقين تمتد آثارها الى الطاقة والغذاء والتجارة!
بالنسبة للأردن هذا الواقع وبكل أسف يضع الاقتصاد تحت ضغوطات كبيرة، وامام اختبار حقيقي متجدد. وخلال العقود الماضية كان الاقتصاد الاردني من أكثر الاقتصادات عرضةً الى الصدمات والازمات، بمعدل أزمة تقريباً كل ثلاث سنوات خلال آخر 25 عاماً! ورغم ذلك، نجح في كثير من الأحيان في التعافي أو على الأقل تقليل الخسائر.
تكلفة أزمة الطاقة الحالية تُقدَّر بنحو 2.5 مليون دينار يوميًا، أي ما يقارب 3.5 مليون دولار، في ظل الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط. كما أن المخزون الحالي من مشتقات النفط لا يغطي سوى فترة تقارب 30 يومًا. وفي ضوء هذه المعطيات، فإننا لا نملك ترف الانتظار. فالأردن، كدولة تستورد ما يقارب 80% من احتياجاتها من الطاقة، سيكون مباشر التأثر بأي اضطرابات في إمدادات النفط والغاز، ما سيقود إلى ارتفاع الأسعار، وينعكس سريعًا على كلف المعيشة والتضخم، وبالتالي على القدرة الشرائية للمواطنين.
من هنا يصبح السؤال الأهم والاجباري الآن: هل ننتظر حتى تتوضح صورة الحرب أكثر، أم نتحرك استراتيجياً وبشكل إستباقي لتقليل المخاطر؟ اقتصادياً الإجابة واضحه، كلفة التحرك الاستباقي المبكر أقل بكثير من الاستجابة المتأخرة، وتحديداً في ملف الطاقة والمطلوب اليوم إدارة الطلب على الطاقة من قبل الحكومة كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية المتاحة حالياً، طبعاً ليس المطلوب إجراءات صادمة بل سياسات ذكية ومؤقتة تعيد تنظيم الاستهلال الطاقي خلال هذه الفتره بالذات!
لذلك وجب التفكير الآن بأمكانية إعادة توزيع انماط العمل والتعليم، من خلال التوسع في العمل عن بعد والتعليم الالكتروني لعدة أيام أسبوعياً وتنظيم ساعات عمل الأنشطة التجارية، وتطبيق أنماط من الأنظمة المرورية تقلل من كثافة استخدام المركبات. بالتأكيد هناك طرف آخر للمعادلة وهو استمرار الانتاجية وحركة الاقتصاد دون تعطل أو توقف وبمثل هذه الاجراءات يمكننا الحفاظ على طرفي المعادلة من تقليل باستهلاك الوقود والطاقة دون أن نمس على العملية الانتاجية وسير الحياة بشكل عام!
في موازاة ذلك، يبرز ملف الأمن الغذائي كأولوية لا تقل أهمية عن الطاقة، فأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية سيترجم سريعًا إلى ضغوط على الأسعار. لذلك، فإن تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي، يجب أن تكون جميعها على رأس جدول الأعمال. المشكلة لا تكمن فقط في توفر الموارد، بل في كيفية إدارتها. في أوقات الاستقرار، قد يكون الهدر مقبولًا ضمنيًا، لكن في أوقات الأزمات، يصبح كل قرار استهلاكي جزءًا من معادلة الأمن الوطني.
المرحلة تتطلب إعادة ترتيب أولويات السياسة العامة، فالمؤشرات الاقليمية والدولية لا توحي بإنفراجة سريعة بقدر ما تشير الى الاستمرار بحالة الشد والجذب لفترات أطول، وفي مثل هكذا ظرف لا يبنى الاستقرار على التوقعات بقدر بناءه على الجاهزية المستمده من الاجراء الاستباقي للأزمة!
الاقتصاد الاردني أثبت قدرته على الصمود، فقد نجح بعبور أزمات أصعب وأثرها أكبر، لكن التجارب تؤكد أن الاقتصادات التي تصمد هل ليست الاقتصادات التي تملك الموارد -الامثلة حاضرة في الحرب الحالية – بل تلك التي تعرف كيف تديرمواردها بكفاءة عالية وتستبق الازمات بدل ملاحقتها! الأردن اليوم أمام فرصة لاتخاذ قرارات مبكرة قد تُحدث فرقًا حقيقيًا في قدرته على تجاوز مرحلة قد تكون الأصعب إقليميًا منذ سنوات، فالتحرك الآن ليس خيارًا… بل ضرورة!
