بقلم:د عبير العربي.
في كل عام، حين يطرق العيد أبواب البيوت، يظن البعض أن الفرح يُقاس بعدد الحاضرين، لكننا نحن الذين فقدنا أمهاتنا، نعلم جيدًا أن الغياب لا يُلغي الحضور، بل يعيد تشكيله في صورةٍ أعمق، وأصدق، وأشد رسوخًا في القلب، في عيدكِ يا أمي، رغم اننى ما زلت أبحث عنكِ بين الوجوه، لكنى أيضا أجدكِ في تفاصيل لا يراها أحد، في رائحة البيت، في صوت الدعاء، في ارتعاشة يدي وأنا أرفع كفي إلى السماء كما كنتِ تفعلين، رحلتِ نعم، لكنكِ لم تغيبي، تحولتِ من يدٍ تمسك بي إلى دعاءٍ يحيطني، ومن صوتٍ يطمئنني إلى يقينٍ يسكنني.
يقولون إن السند يرحل برحيل الأم، لكنهم لا يعرفون أن بعض الأمهات لا يرحلن، بل يتحولن إلى قوة خفية تسند أبناءها من الغيب، تحرسهم بالدعاء الذي لم ينقطع، وبالحنان الذي لا يعرف طريقًا للفناء، في عيدكِ الذي أصبح يأتي دونكِ، أدركت أن الفقد ليس غياب أشخاص، بل اختبار لذاكرة القلب، هل سنحفظ الجميل؟ وهل سنكمل الطريق بنفس القيم التي زرعتِها فينا؟ أمي، لم يعد العيد كما كان، لكنه لم يعد حزينًا كما ظننت، صار أكثر صدقًا، وأكثر امتلاءً بكِ.
ولأن الله لا يترك القلوب المنكسرة دون جبر، فقد منحني عوضًا يشبهكِ… قطعةً منكِ تعود إليّ كل يوم في ملامح ابنتي، في حنانها الذي ينساب نحوي كما كان حنيني ينساب إليكِ، تفعل معي ما كنتُ أفعله معكِ، تحتويني دون أن تدري، وتربّت على روحي بذات البراءة التي كانت بيني وبينكِ، كأنها امتداد لذاكرةٍ لا تموت، وكأن دروسكِ في الحب والبر لم تذهب سدى، بل عادت إليّ في صورة أخرى، تؤكد لي أن الخير لا يفنى، وأن “ذاكرة البر” لا تبلى حقًا، بل تورَّث كما تُورَّث الملامح والملامس الدافئة.
أحتفل بكِ لا لأنكِ هنا، بل لأنكِ لم تتركي قلبي يومًا، ولأنني كلما تعثرت، وجدتُكِ بداخلي تقولين: “قومي… أنتِ قادرة.” في عيدكِ، أعدكِ أن أبقى كما أردتِني، قوية، راضية، ممتلئة بالإيمان، وأترك لكِ ما تبقى: دعاء لا ينقطع، وحنين لا يخبو، وحب لا يموت، والله يا أمي، أول ما وقعت عيني على الكعبة بعد التكبير، ما خرج من قلبي قبل لساني سوى: اللهم أمي… اللهم أمي.
لم أطلب لنفسي شيئًا، وكأن الدعاء كله اختصر طريقه إليكِ، وكأن كل الأمنيات تلاشت أمام احتياجي أن يطمئن قلبك في دارك، وأن يصلك من الرحمة ما يليق بحنانك.
في حضرة البيت العتيق، أدركت أن الفقد لا يُنسي، لكنه يتحول إلى دعاء… وأن البر لا ينتهي برحيلك، بل يبدأ في صورة أخرى لا يراها إلا القلب.
كنتُ هناك بجسدي… لكن روحي كانت تركض إليكِ، تحمل لكِ من النور ما استطاعت، وتهمس: اللهم اجعل أمي في سعةٍ من رحمتك، كما كانت لي سعةَ الدنيا كلها.
رحمكِ الله يا أمي… وكل عيد، وأنتِ في قلبي حياة لا تغيب
