عروبة الإخباري –
الدستور – نضال برقان –
«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الأديبة فايزة عبدالكريم الفالح…
كيف تقرئين مفهوم «السردية الأردنية» من موقعك ككاتبة؟ هل ترينه خطابًا جامعًا، أم مساحة مفتوحة لتعدد الأصوات والتجارب؟
– مفهومي لـ»السردية الأردنية» ككاتبة يأتي من صلب موقعي ابنةً للمكان. فالسردية الأردنية هي الإنسان بحدّ ذاته: جذوره، وامتداده، وانتماؤه، وبساطته، وشموليته، وارتباطه منذ الخليقة بأرضه. وهي امتداد ونتاج الحضارات والممالك العربية التي تعاقبت على أرض الأردن آلاف السنين قبل الميلاد. وينجلي هنا أن لا حقيقة للفروع بغير جذورها، وأن الجذور لا تبرح مكانها إذا كانت متجذّرة حقيقتها في أعماق باطن الأرض.
وإذا عدنا إلى تاريخ الأردن، نجد التاريخ حاضرًا بقوة، والجغرافيا ذات سطوة على أرض العزم؛ حيث مملكة الأنباط، ومملكة مؤاب، ومملكة عمّون، ومملكة أدوم. حينها ندرك أن فكرة الوطن وُلدت مع الإنسان نفسه قبل ولادة الدولة. لذا يمكن القول إن السردية الأردنية خطاب جامع يؤكد أن الهوية الوطنية الأردنية هي مجموعة من الخصائص والصفات التي تميّز المجتمع الأردني الذي يعيش على أرض واحدة، هي المملكة الأردنية الهاشمية، تحت راية واحدة، يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
وإذا أردنا لهذه السردية أن تكون مساحة مفتوحة لتعدد الأصوات والتجارب، فلا بد أن تكون هي الإطار القصصي أو البناء التفسيري للوقائع والأحداث.
أين تضعين تجربتك الإبداعية داخل هذه السردية؟ هل تشعرين أنك تكتبين من الداخل، أم من هامش يعيد تعريف المركز؟
– تجربتي الإبداعية، كما توحي بها كتاباتي، تتبلور في ربط الإنسان بالمكان والزمان، واستحضار التاريخ والجغرافيا بأسلوب أدبي دقيق، وبناء بحث عميق. وكأن من تكتب وتتحدث هي الذاكرة الجمعية، لا أنا.
فعلى سبيل المثال، نصّ «البيدر» ينتمي إلى الداخل العميق للسردية الأردنية. لذلك يمكن القول إن التجربة الإبداعية هنا تقف في نقطة دقيقة بين موقعين: فهي من الداخل لأنها تنبثق من الأرض والناس واللغة اليومية، وهي أيضًا تعيد تعريف المركز لأنها تمنح الصوت للذاكرة الشعبية.
بهذا المعنى، تصبح كتاباتي استعارة للسردية الاجتماعية؛ كأنما بيدر يجتمع فيه الناس، تُذرّى فيه الحكايات كما تُذرّى السنابل.
إلى أي حد شكّل المكان الأردني وذاكرته ملامح كتابتك؟ وهل تحضر الأرض في نصوصك بوصفها ذاكرة أنثوية أيضًا؟
المكان الأردني في كتاباتي ليس مجرد خلفية للمشهد، ولا حجرًا قديمًا أصمّ، بل هو أصل الحكاية ومصدر اللغة. ففي كتابي «أعلام وأقلام في خلجات سابحة»، وكذلك في النصوص النثرية: «البيدر» و»عشتار» و»المِسلّة»، يتجلّى المكان بوصفه ذاكرة كاملة للحياة والإنسان؛ في القرية والمدينة والبادية، بكل تفاصيله الحيّة: البيت الطيني العتيق، والبيت الحجري، وبيت الشَّعَر.
كأن للمكان يدًا خفية تُربّت على كتف الأرض. وها هو نص «عشتار» يتخذ المكان بعدًا أعمق، إذ تتحول الأرض إلى رمز للأنوثة الأولى. ويأتي نص «المِسلّة» بنقش التاريخ على حجر المكان؛ كأن أرض الأردن عروس ترتدي الانتصارات حُليًّا، والبطولات تاجًا، والتضحيات قرابين للوفاء.
وبذلك تكون الأرض ذاكرة أنثوية بامتياز؛ فالنساء في سردية الأرض والإنسان لسن مجرد شاهدات على المواسم، بل حارسات الزمن نفسه.
هل ترين أن صوت المرأة الأردنية أخذ موقعه العادل في الحكاية الوطنية، أم ما زال بحاجة إلى إعادة إنصات وقراءة أعمق؟
– يمكن القول إن صوت المرأة الأردنية لم يكن غائبًا عن الحكاية الوطنية، لكنه غالبًا ما كان مستترًا داخل التفاصيل اليومية: في الأغاني، والحكايات الشفوية، وطقوس القرية والبيت. وما تزال هذه الأصوات بحاجة إلى قراءة أعمق تُخرجها من الهامش الثقافي إلى قلب السردية الوطنية، لا بوصفها رموزًا أو استعارات، ولا خلفية للمشهد، بل بوصفها جزءًا من مركزه، وفاعلات حقيقيات في إثراء الحكاية الوطنية.
وقد كان صوت المرأة حاضرًا حتى في الأساطير؛ فهي «راعية الينابيع»، وهي في ذاكرة المكان «سبيل الحوريات».
حين يُقال إن «الإنسان الأردني صنع التاريخ»، كيف تتجلّى صورة المرأة في هذا السياق داخل نصوصك؟
حين نتحدث عن الإنسان الأردني عبر مسيرة التاريخ ومن خلال السردية الكبرى، لا يمكن فصل المرأة عن هذه المسيرة. تظهر صورة المرأة في سياق مختلف، أكثر التصاقًا بالحياة اليومية للأرض الأردنية.
فالتاريخ هنا يُكتب في الحقول، وفي المواسم، وفي ذاكرة القرية، وفي الميادين الصانعة للأجيال. وتبرز المرأة في صور متعددة في نصوصي: الجدة التي تحصي الأيام بسبحتها، و»ثريّا» شريكة «عرب» في الرخاء والعناء، والفتيات اللواتي يحملن الماء والحطب.
هذه الصور لا تقدم المرأة بوصفها زينة للمشهد، بل بوصفها ذاكرة المكان نفسه، وتحول العمل اليومي إلى طقس اجتماعي يرسّخ قيم التضامن والانتماء.
بهذا المعنى، حين يُقال إن الإنسان الأردني صنع التاريخ، فإن المرأة في نصوصي تظهر بوصفها شريكة في صنعه.
كيف يمكن للكاتبة أن تقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن، مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة، من زاوية إنسانية مختلفة؟
– للتاريخ الحق عينٌ واحدة يبصر بها من لم يزغ بصره عن الحقيقة، ولم يعلُ على قلمه غباش. فمن محطة الثورة العربية الكبرى نبدأ؛ إذ كانت كالشمس التي سطع نورها من بوابة الشرق لتقضّ مضجع الظلام الذي خيّم طويلًا على المشرق العربي. فقد انطلقت رصاصتها الأولى عام 1916.
ثم جاءت وثيقة أم قيس عام 1920، حين اجتمع شيوخ القبائل والعشائر الأردنية، مشهرين بنادقهم وأقلامهم معًا، لتكون إحدى ثمار روح الثورة.
أما معركة الكرامة عام 1968، فكانت يومًا مفصليًا في التاريخ الأردني؛ يوم واجه فيه الجيش العربي الأردني العدو الصهيوني، وخرج بتاج النصر على أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.
لكنني، ككاتبة، أحاول أن أخرج الحدث من صلابته الرسمية إلى نبضه الإنساني؛ فأراه لا كوقائع بعيدة، بل كحكايات عاشها أناس عاديون. أراه من نافذة امرأة تودّع ابنها بالزغاريد قبل أن يلتحق بالمقاتلين، أو من ذاكرة بيت أُضيء ليلته بالدعاء، أو من عيني طفلة تسمع اسم الكرامة لأول مرة فتدرك أن الوطن ليس فكرة مجردة، بل كرامة حياة.
هل تعتقدين أن السردية الوطنية تتسع لسرديات الاختلاف والألم والأسئلة الجريئة، خصوصًا حين تصدر عن قلم امرأة؟
– أعتقد أن السردية الوطنية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا اتّسعت لكل الأصوات. فالوطن ليس رواية أحادية تُكتب بصوت واحد، بل حكاية واسعة يشارك في صياغتها الجميع.
وحين تكتب المرأة بالألم قبل القلم عن تجربتها أو عن أسئلة المجتمع، فهي لا تخرج عن السردية الوطنية، بل تضيف إليها بعدًا إنسانيًا جديدًا. فالسؤال الجريء لا يعني التمرّد على الهوية، بل الحرص عليها. المجتمعات الحيّة هي التي تملك الشجاعة لتسمع نفسها بصدق، وتراجع أخطاءها، وتفتح المجال لحوار حقيقي بين تجارب مختلفة.
كيف توازنين بين الانتماء الوطني وحقك الكامل في النقد وكشف المسكوت عنه؟
– الانتماء الحقيقي لا يعني الصمت، بل يعني المسؤولية. فالكاتب حين يكتب عن وطنه بمحبة لا يكتفي بمدح الصورة الجميلة، بل يضيء الزوايا التي تحتاج إلى إصلاح.
النقد هنا ليس موقفًا عدائيًا، بل فعل حرص ووفاء. وأؤمن أن الكتابة تستطيع أن تجمع بين الاعتزاز بالوطن والقدرة على مساءلة الواقع وكشف المسكوت عنه. فالأدب ليس بيانًا سياسيًا ولا خطابًا رسميًا، بل مساحة للتأمل في حياة الناس.
ما الحكايات النسائية التي تشعرين أنها لم تُروَ بعد في القصة الأردنية؟
– ثمّة حكايات كثيرة ما تزال رهينة الصمت، رغم تأثيرها العميق في المجتمع الأردني. لم يذكرها التاريخ إلا في هوامش صغيرة، ولم تتحول بعد إلى خطاب سردي مباشر.
ومن بين هذه الحكايات قصة نساء من قريتي ماحص والفحيص القريبتين من ساحة معركة الكرامة عام 1968، حين بادرن إلى تقديم ما يملكنه من زيت الطعام والسمن البلدي بعدما احتاجت بعض المدافع إلى زيوت تساعد على استمرار عملها في ظروف القتال.
قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تكشف معنى عميقًا لدور المرأة في لحظات التاريخ الحاسمة؛ فهؤلاء النساء لم يحملن السلاح، لكنهن حملن مسؤولية المشاركة بما توفر لديهن، حتى بدا المطبخ في تلك اللحظة امتدادًا لجبهة القتال.
في رأيك، هل يختلف وعي الجيل الجديد من الكاتبات بالسردية الوطنية عن الأجيال السابقة؟ وكيف ينعكس ذلك في اللغة والأسلوب؟
– نعم، هناك اختلاف واضح. فقد كتبت الأجيال السابقة السردية الوطنية غالبًا من زاوية الحدث الكبير: الدولة، والمعارك، والتحولات السياسية، وبطولة الجماعة. واعتمدت في ذلك على البحث والذاكرة الجمعية والمراجع التاريخية.
أما الجيل الجديد من بعض الكاتبات فيميل إلى النظر إلى الوطن من الداخل، من تفاصيل الحياة اليومية. لذلك تغيّرت اللغة أيضًا؛ فصارت أقل خطابية وأكثر قربًا من المفردات المعاصرة، ومال الأسلوب إلى السرد الهادئ والتفصيل الصغير.
ومع ذلك أوصي نفسي والكاتبات اليوم بضرورة سبر أغوار السردية الوطنية بالعمل الجاد، والارتكاز على المخزون الثقافي الشعبي، وربط الأحداث الكبرى بالتجارب الإنسانية بلغة مبتكرة.
إذا طُلب منك أن تكتبي فصلًا للأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟ ومن ستكون بطلته؟
قد يكون عنوانه «السيدة والصولجان»، وبطلته عليا الضمور، أمّ الذبيحين. وهي سردية جرت أحداثها إبّان الحكم العثماني عام 1832.
فالسردية لا تُكتب فقط من منظور الرواية، بل من منظور النساء اللواتي حافظن على استمرار الحياة، وصنعن التاريخ بصبرهن، رغم التحديات.
بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا تغفله الذاكرة الوطنية ونحن نكتب قصة الأردن؟
– من لم يكتب سرديته بمداد من ذهب، سُرق تاريخه بلا عجب. فالأردن لم يكن درسًا في كتاب التاريخ، ولا خريطة عابرة في كتاب الجغرافيا، بل صفحة أصيلة من صفحات الحضارة الإنسانية.
