تتحرك المنطقة على وقع اشتباك مفتوح يعيد رسم خرائط النفوذ ويختبر صلابة الدول ومعنى السيادة، حيث تتقاطع الصواريخ مع الرسائل السياسية وتتعرض دول عربية لاعتداءات تمس جوهر أمنها واستقرارها، في هذا المشهد الملبد بالخطورة، تأتي زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين كتحرك أخوي، يحمل دلالات أكثر عمقا من الزيارات الرسمية إلى إعلان موقف سياسي صريح بأن الأردن حاضر مع أشقائه بالفعل، وأن موقعه يتحدد في خندق الدفاع عن الأمن العربي دون مواربة.
هذه الجولة تطرح سؤالا مباشرا: من يقف مع الأشقاء قولا وفعلا عندما تختبر العلاقات خارج بيانات التضامن؟ الإجابة تأتي من سلوك الدولة الأردنية منذ اليوم الأول للحرب، حيث اختارت الاصطفاف إلى جانب أشقائها دون حسابات الربح والخسارة، ودون البحث عن مكاسب ظرفية، هذا الوقوف النقي الصادق يعكس رؤية سياسية تعتبر أن التضامن العربي قيمة استراتيجية، وأن التردد في أوقات الخطر يفتح الباب أمام اختلالات يصعب احتواؤها لاحقا.
يمثل الملك عبد الله الثاني بمواقفه الصادقة ثابتا راسخا شامخا في معادلة العلاقات العربية، حيث يتحول الوفاء للأشقاء إلى عنصر دائم في السلوك السياسي الأردني، لا يتأثر بتعقيدات المشهد أو كلفة الموقف، بما يجعل حضور الأردن إلى جانب الدول العربية نتيجة متوقعة في كل أزمة إقليمية، وفي هذا السياق، يرتقي الوفاء من كونه قيمة أخلاقية إلى قاعدة حاكمة تقاس بها المواقف وتبنى عليها التحركات، ضمن التزام مستقر يمنح الثقة والقدرة على التنبؤ، ويؤسس لنموذج سياسي يربط بين منطق الدولة والبعد الأخلاقي، ويرسخ التضامن العربي كضرورة استراتيجية، ويكرس نهجا ثابتا في إدارة الأزمات، بما يعزز المكانة السياسية والمعنوية للأردن في محيطه العربي.
الرسالة الثانية التي تفرض نفسها على وقع هذه الزيارات يعبر عنها السؤال التالي: هل ما زال العمل العربي المشترك خيارا أم أصبح ضرورة؟ الأردن حسم هذا الجدل مبكرا عندما دعا إلى تكثيف التنسيق العربي وتفعيل منظومات الدفاع الجماعي، انطلاقا من إدراك أن التهديدات الراهنة عابرة للحدود، وأن الرد الفردي يضعف القدرة على الردع، وتأتي جولة الملك لتعيد التأكيد على هذه الدعوة من خلال الحضور المباشر والتشاور المكثف مع أشقائه القادة العرب، بما يعكس انتقالا من مستوى التنظير إلى مستوى الفعل.
وتتقدم رسالة ثالثة أكثر وضوحا مفادها أن أمن الخليج جزء من الأمن الوطني الأردني، وهذه القناعة انعكست بالفعل في الخطاب السياسي وتحولت إلى محدد عملي للسلوك الأردني، يظهر في توقيت الزيارة وطبيعة الرسائل التي تحملها، فعندما تتعرض دول الخليج لتهديدات مباشرة، فإن ذلك يطال توازن الإقليم بأكمله، ويضع الجميع أمام مسؤولية جماعية، من هنا، يكتسب التحرك الأردني بعدا استراتيجيا يربط بين الجغرافيا والمصير، ويؤكد أن أي اختراق في منظومة الأمن الخليجي يمتد أثره إلى عمق المنطقة.
كما تطرح الزيارات سؤالا آخر اكثر أهمية وهو: ما قيمة التحالفات إذا لم تختبر في الأزمات؟ في الواقع أن التجربة الأردنية تقدم إجابة عملية تقوم على الثبات والوضوح، حيث لم يتغير الموقف رغم تعقيدات المشهد وضغوطه، هذه المصداقية تمنح الأردن وزنا سياسيا يتجاوز إمكاناته التقليدية، وتجعله شريكا موثوقا في معادلات الأمن الإقليمي، باعتباره يشكل قوة ناعمة مبنية على الاتساق بين القول والفعل، وعلى سجل متراكم من الوقوف مع الأشقاء في السراء والضراء.
في المقابل، تكشف هذه التحركات الملكية المنبثقة من الإحساس العالي بالمسؤولية عن فجوة قائمة في بنية النظام العربي، حيث ما تزال الاستجابات الجماعية دون مستوى التحديات، وهنا تبرز الحاجة إلى تحويل الرسائل السياسية التي تحملها الجولة إلى برامج عمل واضحة، تقوم على تنسيق أمني فعال، وتكامل في الرؤى، وبناء قدرات دفاعية مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات المتصاعدة، خاصة وأن المعركة لم تعد معركة حدود، بل معركة استقرار إقليمي يتطلب أدوات جديدة وعقلا استراتيجيا جماعيا.
النتيجة التي تفرض نفسها أن الأردن يرسخ معادلة ثابتة وواضحة تجعل من الوقوف مع الأشقاء التزام ثابت لا يخضع للمساومة، وأمن الخليج امتداد مباشر لأمنه الوطني، والعمل العربي المشترك ضرورة لا تحتمل التأجيل، وأن ما يحتاجه المشهد الآن هو الانتقال من دائرة الرسائل إلى دائرة القرارات، ومن مستوى التنسيق إلى مستوى الشراكة الفعلية، لا سيما وأن بقاء الدول العربية في حالة تفاعل منفرد يمنح التهديدات مساحة أوسع، بينما يفتح التماسك الجماعي أفقا لحماية السيادة وصناعة توازن جديد، فالمسؤولية هنا جماعية، والاختبار قائم، والرهان الحقيقي يتمثل في القدرة على تحويل هذا الإدراك إلى فعل عربي منظم يحمي الأمن ويصون المستقبل.
