كتب سلطان الحطاب –
ما زلت أذكر من خلال موقعي في الصحافة وكتاباتي اليومية في سنوات التسعينات، وتحديداً حين غزا العراق الكويت، الزيارات المكوكية التي كان يقوم بها الملك الراحل الحسين رحمه الله من أجل بناء حل عربي لأزمة الخليج، وقد أخذ على عاتقه الوقوف في وجه تيار عارم كان يدفع باتجاه التصعيد والصدام.
كان الملك يعتقد أنه يستطيع ربما في ربع الساعة الأخير أن يمسك برأس خيط يمكنه من البدء منه.
لقد جاب يومها عواصم عربية وأجنبية ومحافل دولية عديدة، وكان يعبر من القاهرة الى المغرب والى تونس ثم الى اليمن وسلطنة عُمان، لم يكن يعود الى عمان إلاّ لبعض الوقت ليجدد الرحلة، فقد كان يعتقد أنه في كل دقيقة تمضي هناك مخاطر تتراكم.
حضر الملك الراحل القمة العربية الطارئة في 10 آذار 1990 التي مهدت لضرب العراق بعد تصويت سريع مفتعل، ومع إدانة العراق خاض الملك جدلا دبلوماسيا طويلا يحذر مما سيجري وبذل جهودا قوية تحدث فيها بالقمة، كما حاول ان لا تفضي القمة الى انقسام او توفر المناخ لضرب العراق وحاول شد وسحب بعض الأطراف بعيداً على الاشتراك في الحرب وارسال قوات، لانه كان يدرك أن ضرب العراق سيفتح باب الانهيارات في العالم العربي، وقد كان ذلك وما زال العالم العربي يدفع الثمن.
كان الملك قلقاً وممتعضا، حيث كانت الأخبار تتوالى عن ما يجري من غزو للعراق شاركت فيه مجموعة كبيرة من الدول بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في تحالف جرى عقده خارج اطار التوافق الدولي، ووقع غزو العراق وتدمير جيشه واستسلامه، وما زالت الكثير من الآثار قائمة.
لا أريد أن أستمر في حديث كتبته في أكثر من ثلاثين صفحة، فقد كنا من قبل في معية جلالة الملك الراحل في احدى زياراته المكوكية الى بغداد، وأدركنا حجم الخطر وما ينتظر الأمة التي كانت تواجه قضاياها الرئيسية بالخلافات، وحيث التدخلات الأجنبية التي قسمت الأمة وما زالت.
اليوم، ما الذي تغيّر، وما أشبه الليلة بالبارحة؟ حرب تتوسع وتهدد الجميع في الاقليم والمنطقة، والبعض يضع رأسه في الرمل، أو لا يبدي الاهتمام الواجب، وأطراف دولية ومعادية تنفرد بأقطار ومواقع جغرافية وتشكل فيها مخاطر الاحتلال الدائم، وما زال الأمر في عناوينه الرئيسية مربكاً، وما زال العدوان قائما، وما زالت بلداننا برسم الخطر والتدمير.
الملك عبدالله الثاني يواصل الآن زياراته المكوكية، فقد التقى الرئيس المصري السيسي زار الملك الامارات في اليوم التالي ثم قطر ثم البحرين، وقد يزور الملك دولاً عربية اخرى، ليعلن وقوفه قولاً وفعلاً الى جانب الاشقاء في الخليج العربي .
إنه يسابق الزمن ويرى ضرورة انقاذ المركب العربي، وعدم تكرار تجربة حرب الخليج واحتلال العراق.
ما زالت الحرب اللعينة مشتعلة، وما زالت الولايات المتحدة واسرائيل وايران، تتخذ من دولنا وعواصمنا وأراضينا ساحة حرب دون استئذان او موافقة لخدمة دوافعهم ومخططاتهم، ألم يقل الملك في لقاء قريب سابق إنه قلق؟ هل فهمنا الآن لماذا؟ وماذا بعد؟
رحم الله صاحب مشروع الحل العربي الذي دفن آنذاك وما زلنا ننادي:
لقد أسمعت لو ناديت حيا..
ولكن لا حياة لمن تنادي
فماذا بعد؟
وما العمل؟..
