عروبة الإخباري –
الدستور نضال برقان –
«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، بتوجيهات ملكية سامية، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الباحث الأديب الدكتور محمد عبد الكريم الزيود، وهو أكاديمي يحمل درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال من ماليزيا.. وقاص وروائي صدرت له: ضوء جديد/ مجموعة قصصية عام 2015، وحيدا كوتر ربابة/ مجموعة قصصية عام 2019، وفاطمة/ رواية عام 2021، وإسعيدة/ رواية عام 2025، كذلك كتب نصوصا إذاعية وأفلاما قصيرة. وهو عضو رابطة الكتّاب الأردنيين.
كيف تفهم مفهوم «السردية الأردنية» خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة، أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟
– أكتب من موقع الشاهد المنحاز للإنسان، والناقد المحبّ لأرضه، أكتب الذاكرة الجمعية للناس، وأبحث عن الزاوية التي لم تُلتقط بعد. في رواياتي كان الأبطال هم هؤلاء الناس الذين صنعوا تاريخنا، ففي روايتي «فاطمة: حكاية البارود والسنابل» حاولت أن أكون شاهدًا على تحولات المجتمع في بداياته وكيف صنعوا وطنا رغم الشقاء والفقر، لكنهم يمتلكون رصيدا كبيرا من الحب، وفي رواية «إسعيدة» اقتربت من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي صنعت مدينة جديدة من رحم القرية. كيف غيرتنا المشاريع الجديدة، وكيف استبدلت الأسماء ولكن لم تنجح في تغيير الناس من الداخل، الكتابة عندي ليست تسجيلًا محايدًا، بل مساءلة مشبعة بالحب.
إلى أي حد تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا؟ وكيف يتجلى المكان الأردني في أعمالك بوصفه معنى لا مجرد خلفية؟
– الجغرافيا ليست مسرحًا للأحداث فحسب، بل هي صانعة الوجدان، المكان الأردني في نصوصي ليس ديكورًا؛ إنه كائن حيّ يتنفس، السهل يحمل ذاكرة القمح، والجبل يحمل صلابة الناس، والبادية تختزن حكمة الصبر. أكتب المكان بوصفه معنىً للثبات والتحول معًا، وهو الشاهد الذي مرّ عليه الجميع وتغيروا وتبدلوا ولكنه لم يتغير.
هل نجح الأدب الأردني، برأيك، في تحويل الأرض إلى دلالة، والإنسان إلى رمز يتجاوز اللحظة؟
– حقق الأدب الأردني خطوات مهمة في هذا الاتجاه، لكنه ما يزال في طور التشكل والتراكم. حين تتحول الأرض إلى رمز للكرامة، ويصبح الإنسان صورة للصمود والعمل، نكون قد تجاوزنا اللحظة إلى المعنى. هذا يتطلب استمرار الكتابة بوعي تاريخي وجمالي في آن، ولدينا أعمال أدبية في الشعر والقصة والرواية كان هاجسها الأرض وصراع الإنسان في النضال لحفظ وجهها.
المشروع يركز على «الإنسان الذي صنع التاريخ»؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟ البطل؟ المهمّش؟ أم الصوت الصامت؟
– هو الإنسان العادي؛ الفلاح، المعلم، الأم، الجندي، الشهيد، والعامل، أؤمن أن التاريخ لا يصنعه الأبطال وحدهم، بل يصنعه الذين لم تُذكر أسماؤهم في الكتب، هؤلاء المسكونون في الهامش، وكانوا بعيدين عن الضوء.. في نصوصي، المهمّش هو مركز الحكاية، والصوت الصامت هو الذي أبحث عنه.
كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن -مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة- دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟
– عبر الإنسان لا الحدث. حين نكتب عن أمٍّ تنتظر ابنها في معركة، أو جنديٍّ يرى الأرض لأول مرة بوصفها مسؤولية، يتحول التاريخ إلى تجربة شعورية لا بيان رسمي، الأدب ينجح حين يُشعِر القارئ، لا حين يُملي عليه، نكتب تفاصيل وحكايات هؤلاء الناس كيف صنعوا الأحداث الكبرى.
هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية الجامعة مع سرديات الاختلاف والألم والاحتجاج، أم أن بعض الحكايات تُؤجَّل دائمًا؟
– السردية الوطنية القوية هي التي تتسع للاختلاف. الألم جزء ناصع من الحقيقة، والاحتجاج صوت من أصوات المحبة. إذا أُجِّلت بعض الحكايات طويلاً، فإنها ستعود بشكل أكثر إلحاحًا. الاعتراف بالتعددية يحصّن الهوية ولا يهددها.. وإذا لم نكتب المسكوت عنه ونقترب منه فإننا نزيف التاريخ ونخون تضحيات الأبطال المنسيين.
كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد والمساءلة؟
الانتماء الحقيقي لا يتعارض مع النقد؛ بل يتغذّى منه. الكاتب الذي يحب وطنه يسائله كي يراه أفضل. الحرية ليست خروجًا على الهوية، بل تعبيرًا عن ثقة بها.. ويجب أن نرفع صوتنا عاليا بمحبتنا لوطننا، وأن ليس هناك في تاريخ الأردن ما نخجل منه يوما.
في رأيك، ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟
– لم تُحكَ بما يكفي قصص التحولات الصغيرة: أثر التعليم في القرى البعيدة، حكايات النساء في الأطراف، تفاصيل الحياة اليومية التي صنعت التغيير بصمت، هناك مناطق إنسانية ما تزال تنتظر صوتًا يلتقطها.. حكايات الشهداء وهم يستقبلون الموت وهم يحدون بالغناء.. كيف بنينا وطنا من تعب وشقاء.. وصار وطنا عظيما.
إذا طُلب منك أن تكتب فصلًا موجَّهًا إلى الأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟
– كيف بدأنا وبنينا، كيف كانت الجوامع والكنائس مدارسا، وكيف كانت المجالس والبيوت مضافات لكل باحث عن الحرية وفرّ من بلاده.. كيف أصبح الأردن بمساحاته الصغيرة قلبا عربيا نابضا.. والأهم نكتب «حين تصير الأرض ذاكرةً، ويصير الإنسان وعدًا».
كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي وتحولاته؟
– الشباب اليوم يملكون أدوات سرد جديدة: الصورة، الفيديو، المنصات الرقمية. بإمكانهم أن ينقلوا الحكاية الأردنية إلى فضاءات أوسع، شرط أن يحافظوا على الجوهر الإنساني. التقنية وسيلة، لكن الصدق هو الأساس، والجذور طيبة والأهم نثق ببلدنا ومؤسساتنا ونفتخر به.
بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا ننساه ونحن نكتب قصة الأردن؟
– ألا ننسى أن الإنسان كان دائمًا أكبر من الجغرافيا، وأن الأرض كانت دائمًا أوسع من الحكاية وأن الأردني كان دائما هو الصانع للتاريخ.
