يقال وراء كل رجلٍ عظيم امرأة وأنا أقول وراء كل امرأة عظيمة رجل يؤمن بها ويدعمها، بين هاتين الحقيقتين تكمن معادلة توازن انساني لا تقوم الحياة السليمة من دونها، وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، رافعاً شعارات العدالة والمساواة ومتباهياً بتعديلات تشريعية يقول إنها تنصف المرأة، ما زلنا مع الأسف نرى مجتمعات تتعرض فيها المرأة لأشكال مختلفة من العنف والقمع والتهميش، ولا يزال البعض يصرّ على منح الرجل حجماً اجتماعياً مبالغاً فيه، بما يقلل من قيمة نصف المجتمع الآخر، ففي كثير من الحالات قد تتعرض النساء لعنف أو تهميش دون اكتراث لحجم الدمار النفسي الذي يتركه ذلك في نفوسهن، وهنا يبرز السؤال البسيط والعميق في آن واحد: هل يعرف هذا النوع من الرجال حقاً من هي المرأة؟
المرأة هي الأم، الابنة، الأخت، الزوجة، الحبيبة الصديقة، الزميلة، وشريكة الحياة في السراء والضراء، فهل يرضى الإنسان أن يؤذي مشاعر من أوصى بهن رسولنا الكريم محمد بن عبد الله بقوله: «رفقاً بالقوارير»؟
مجرد شعور المرأة بالإحباط أو الظلم لا يقتصر أثره عليها وحدها بل ينعكس على المجتمع كله إذ يصعب الطلب من امرأة محبطة أن تعطي وتبني وتربي الأجيال وتشارك في صناعة المستقبل وهي تشعر أن العدالة غائبة عنها، ورغم ما يدّعيه البعض من تحضر وتقدم ما زالت هناك مجتمعات تحرم المرأة أبسط حقوقها كالتعليم والعمل وإبداء الرأي والمشاركة الفاعلة في المجتمع، كما لا تزال بقايا العقلية القبلية تتحكم في نظرة بعض الناس للمرأة، المفارقة أن هذا يحدث بالرغم من أن الإسلام هو الذي كرّم المرأة وأقرّ حقوقها ومنحها مكانة إنسانية رفيعة تحفظ كرامتها ودورها في المجتمع.
ولو تأملنا أسباب النظرة الدونية للمرأة في المجتمعات الشرقية، لوجدنا أن جزءاً منها يعود إلى إرث اجتماعي متوارث حيث يكرر الآباء لأبنائهم أنماط التفكير نفسها، فينشأ جيل جديد يحمل الأفكار ذاتها، بما في ذلك تفضيل الذكور على الإناث، وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تسهم بعض النساء دون وعي في ترسيخ هذه النظرة، كأن تفضّل إنجاب الذكور أو تمنحهم حقوقاً أكبر من أخواتهم.
ومع ذلك، ورغم كل هذه التحديات، أثبتت المرأة العربية قدرتها على الصمود والإبداع في مختلف المجالات فقد برزت في ميادين العلم والعمل والثقافة والسياسة، وأثبتت أن القوة ليست حكراً على أحد، كما رأينا نماذج ملهمة من النساء الصامدات في مواجهة الظروف القاسية، من الأمهات اللواتي يربين الأجيال، إلى النساء اللواتي واجهن الاحتلال أو الأزمات الاجتماعية بشجاعة وصبر.
وفي هذا السياق، تبرز نماذج عربية مشرقة تعكس صورة المرأة القادرة على النجاح والتأثير الإيجابي في المجتمع، ومن أبرز هذه النماذج جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي تمثل تجربة مميزة للمرأة الأردنية والعربية المعاصرة، فقد عُرفت بدورها في دعم التعليم وتمكين الشباب والدفاع عن حقوق الطفل والمرأة، إضافة إلى حضورها الإنساني والثقافي الذي جعلها رمزاً للإبداع النسوي في المنطقة، إن تجربة جلالتها تؤكد أن المرأة حين تتاح لها الفرصة الحقيقية يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في بناء المجتمع وتقدمه.
وفي الحديث عن التجارب العربية التي حققت تقدماً ملموساً في مجال تمكين المرأة، تبرز تجربة الأردن بوصفها تجربة تستحق التوقف عندها، فقد شهدت المملكة خلال العقود الأخيرة خطوات متنامية لتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، سواء من خلال التشريعات التي دعمت مشاركتها السياسية والاقتصادية، أو عبر توسيع فرص التعليم والعمل أمامها وأصبح حضور المرأة الأردنية واضحاً في مجالات متعددة، من البرلمان والقطاع الحكومي إلى التعليم والطب والإعلام وريادة الأعمال، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في الوعي المجتمعي تجاه دورها كشريك أساسي في بناء الدولة والمجتمع، وللإنصاف أيضاً، لا بد من الاعتراف بأن كثيراً من النساء في مجتمعاتنا حصلن على مساحة متزايدة من الحرية والدعم من آبائهن وأزواجهن ومجتمعاتهن، ونجحن في تحقيق إنجازات لافتة في مختلف المجالات، هؤلاء يؤمنّ بأن الله لم يخلقهن عبثاً وأن لهن دوراً أصيلاً في صناعة الحياة والمستقبل تماماً كما للرجل دوره ومسؤوليته.
في اليوم العالمي للمرأة، نحيّي كل امرأة استطاعت أن تبدع في حياتها، أن تضيء شمعة في درب الإنسانية، أن تدافع عن الضعفاء وتشارك في بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. وفي الختام، يبقى الطريق نحو تحقيق العدالة الكاملة للمرأة مرتبطاً بتعزيز الوعي المجتمعي ونشر الثقافة والمعرفة، فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر نهضة علمية ومجتمعية منهجية تعيد صياغة نظرتنا إلى المرأة باعتبارها شريكاً كاملاً في بناء المجتمع وتقدمه، وعندما يتحقق ذلك، لن يكون الاحتفاء بالمرأة مجرد مناسبة سنوية، بل حقيقة راسخة في حياة المجتمعات.
