ما كاد يطلق ترمب تغريدته بأول تغيير يجريه على إدارته في ولايته الثانية، حتى اتضح أن القرار لم يكن وليد اللحظة. إعفاء وزيرة الأمن الوطني كرستي نوم من مهامها يدخل حيز التنفيذ آخر الشهر الجاري، لكنها باشرت مهام عملها الجديد بعد أقل من ثمان وأربعين ساعة، بصفتها المبعوث الخاص لهيكل جديد، أمني عسكري، سياسي اقتصادي، خاص بعقيدة ترمب، ألا وهو ما صار يعرف بمبدأ «دونرو» تيمنا بسلفه خامس الرؤساء ومن الآباء المؤسسين الأمريكيين، جيمس مونرو.
نوم ذات الوجه البشوش لكنه الحازم وبشكل صارم، فيما يخص مهامها السابقة من حيث إنفاذ القانون بالطريقة التي يفضلها ترمب والمتميزة بروح المبادرة والجرأة دونما الاكتراث بمدى شعبية بعض القرارات أو الإجراءات التنفيذية. الهدف هو حماية الولايات المتحدة والأمريكيتين، أي النصف الغربي من الكرة الأرضية من إرهاب المخدرات والهجرة غير الشرعية الذي تعاملت معه إدارتا ترمب الأولى والثانية على أنه اجتياح أجنبي، لا بل واحتلال للبلاد!
شاركت نوم في مراسم افتتاح المؤتمر التأسيسي الأول لما صار اسمه «درع الأمريكيتين» بمشاركة اثنتي عشرة دولة، والذي افتتح أعماله في ولاية فلوريدا السبت ترمب، بإشارات قوية مباشرة وغير مباشرة، لكل من روسيا والصين.
أعلن ترمب وعيده لما تبقّى من فلول نظام ملالي في إيران، ووعد بقرب سقوط النظام الكوبي، وكذلك توكيد إبعاد النفوذ والتمدد الصيني عن قناة بنما، وساحات أخرى تسللت إليها روسيا والصين وإيران، إلى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
ليس بعيدا عن هذا «الدرع»، كان ترمب قد أعلن في مستهل ولايته الثانية، نيته الاستحواذ على غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك في منطقة القطب الشمالي، بعد دعوته خلال الحملة الانتخابية الجارة الشمالية كندا، إلى الانضمام كالولاية الواحدة والخمسين! التبرير «الاستراتيجي» كان حاجة الأمن القومي الأمريكي وحاجة حلف شمال الأطلسي «الناتو» لقبة «ذهبية» تعترض أي صواريخ تطلقها روسيا على أمريكا أو جيرانها وحلفائها.
وبين ذاك الدرع وتلك القبة، كانت القُطبة أو الحبكة التي قدمتها إدارة ترمب لمن يهمهم الأمر داخليا وخارجيا تتمثل بأن أنجع الطرق وأقلها كلفة في توفير الأمن وتأمين طرق التجارة الحرة بحق، هي تلك المنظومات الأمنية التعاونية التكاملية القادرة على التفعيل عند الحاجة بقرار وطني سيادي لأي عضو في هذه المنظومة أو تلك.
ربما يفسر ذلك تغير نبرة التصريحات الصادرة خاصة من أوروبا، فضلا عن روسيا والصين إزاء مصير حاكم فنزويلا السجين في نيويورك نيكولاس مادورو، وكذلك تصريحات ترمب التي اعتبرت «استفزازية تصعيدية» وفيها كثير من «التنمر» على كندا وأعضاء تاريخيين في الناتو كبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
فهل تشهد منطقة الشرق الأوسط التقليدية أو الموسعة كما كان الحديث إبان إدارة بوش الابن، شكلا من أشكال تلك القبة أو ذلك الدرع؟!
تزامن إعفاء وتكليف نوم المباغت مع ظهور لافت لمستشارة الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش (الابن)، كونداليزا رايس. فهل اقتصر الأمر على الاستماع إلى النصح من عقلية تعتبر مرجعية في فهم الاتحاد السوفييتي السابق والساحات الدولية موضع التنافس إبان الحرب الباردة بين القطبين؟ هل ينتظر رايس قرار تعيين ما خاص بـ «اليوم التالي» لإيران ما بعد خامنئي، أو اليوم التالي شرق أوسطيا؟
«إن غدا لناظره قريب»، والعبرة فيمن كان قادرا على استشرافه والتخطيط والإعداد له جيدا، بأعلى المكاسب وأقل الكلف وصفر خسائر، بعون العليم الحكيم، سبحانه.
