بعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يغرق المشهد السياسي والإعلامي في سيلٍ من التحليلات والتوقعات. امتلأت شاشات التلفزة بالخبراء الاستراتيجيين والمحللين الذين حاول كلٌّ منهم رسم صورة لما ستؤول إليه هذه الحرب: من سينتصر، ومن سيخسر، ومتى ستنتهي. وعربياً أيضاً هناك سيل من المقالات والتحليلات والمقابلات التي حاولت استباق النتائج، بعضها بنبرة يقين وبعضها بنبرة تمنً. لكن الحقيقة الأكثر وضوحاً وسط كل هذه التحليلات والاستنتاجات هي أن مسار هذه الحرب ما زال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
الحروب الحديثة لم تعد تشبه الحروب التقليدية التي عرفها العالم في العقود الماضية. لم تعد هناك بداية واضحة تُعلن معها الأهداف بدقة، ولا نهاية يمكن التنبؤ بها وفق جدول زمني محدد. ما يتشكل اليوم أقرب إلى اختبار طويل للإرادات السياسية والعسكرية، حيث تتحول ساحات المواجهة إلى مساحات لقياس القدرة على الصمود والتأثير. وفي المشهد الحالي لا نرى في الأفق سوى رشقات صاروخية متبادلة تترافق مع تراشقات سياسية وإعلامية حادة، في محاولة من كل طرف لإثبات حضوره وترسيخ صورة مفادها أنه ما زال يمتلك زمام القوة.
وفي خضم هذا المشهد الإقليمي المتوتر، برز موقف الأردن واضحاً في تأكيده على حماية سيادته وأمنه الوطني. فقد تعاملت القوات المسلحة الأردنية بحزم وقوة في الدفاع عن أجواء المملكة وأراضيها، مؤكدة بصورة لا لبس فيها أن الأردن ليس طرفاً في هذا النزاع، وأنه لن يسمح بأي شكل من الأشكال بالاعتداء على سيادته أو استخدام أجوائه كساحة للصراع بين أطرافه.
من هنا يصبح السؤال التقليدي: “متى ستنتهي الحرب؟” سؤالاً مضللاً إلى حد ما. فالنصر في الحروب المعاصرة لم يعد لحظة واضحة تُرفع فيها الأعلام فوق أرض المعركة. النصر أصبح مفهوماً نسبياً، يُقاس بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية أو منع الخصم من تحقيق أهدافه. وفي كثير من الأحيان، يخرج كل طرف معلناً النصر لجمهوره، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.
ما يزيد المشهد الحالي غموضاً أن هذه الحرب لا تدور في فراغ. المنطقة بأكملها تقف على حافة توازنات دقيقة حيث تخشى العديد من الدول أن يؤدي أي انزلاق إضافي إلى توسع الصراع بشكل يصعب احتواؤه. ولذلك نرى أنه بالتوازي مع الضربات العسكرية يوجد حركة دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس. قنوات الاتصال لا تنقطع حتى في ذروة المواجهات لأن الجميع يدرك أن الحروب الكبرى لديها فرصة أن تنتهي على طاولة التفاوض وليس فقط في الميدان. وفي هذا السياق أيضاً تحرص دول المنطقة، ومنها الأردن، على التأكيد أن حماية السيادة الوطنية ومنع انتقال الصراع إلى أراضيها يمثل أولوية مطلقة.
لكن المشكلة أن الوصول إلى تلك الطاولة يحتاج أولاً إلى ما يسميه العسكريون “توازن الألم”. أي أن يشعر كل طرف بأن كلفة الاستمرار في الحرب أصبحت أعلى من كلفة التوقف عنها. وحتى الآن، لا يبدو أن هذا التوازن قد تحقق بعد. الضربات ما زالت محدودة نسبياً والخطوط الحمراء ما زالت قائمة وإن كانت تتعرض للاختبار يوماً بعد يوم.
في النهاية قد يكون السؤال الأكثر واقعية ليس: متى ستنتهي هذه الحرب؟ بل كيف ستنتهي: هل ستتوقف بعد ضربة نوعية كبيرة تعيد رسم قواعد الاشتباك؟ أم ستتلاشى تدريجياً عبر تفاهمات غير معلنة تعيد الجميع خطوة إلى الوراء؟ أم أننا أمام بداية مرحلة جديدة من صراع مفتوح تكون فيها المواجهة المباشرة جزءاً من مشهد إقليمي أكثر تعقيداً؟
إلى الآن ما زالت الصورة غير مكتملة، وما زالت التقديرات المختلفة تحاول قراءة اتجاهات الأحداث. فالمشهد يتطور بسرعة والوقائع على الأرض تتغير يوماً بعد يوم، الأمر الذي يجعل من الصعب الجزم بمسار نهائي واضح لهذه المواجهة في الوقت الحالي. وفي خضم هذه التطورات، يظل موقف الأردن ثابتاً في تأكيده أنه ليس طرفاً في هذا النزاع، وأن حماية سيادته وأمن أجوائه وأراضيه خط أحمر، وهو ما عكسته الإجراءات الحازمة التي اتخذتها القوات المسلحة الأردنية في التعامل مع أي تهديد محتمل. وما نراه الآن هو حرب في بدايتها السياسية أكثر مما هي في نهايتها العسكرية.
محامٍ وخبير قانوني
