ليس صحيحاً أن البلاد العربية تعاني قلة في العلماء، فالعالم العربي يزخر بعقول لامعة في المهجر وفي الداخل، لكن المشكلة الأعمق تكمن في غياب المسار المنهجي الذي يصقل هذه المواهب منذ الطفولة. وإذا أردنا فهم موقعنا الحقيقي من الخريطة العلمية العالمية، فعلينا أولاً أن نعيد قراءة الأرقام بطريقة مختلفة عما هو شائع، لا مجرد تعداد الأسماء والمجلات، بل وزنها بعدد السكان، وفي سياق الجودة والتأثير. استناداً إلى تقرير “معرفة” لعام 2025، وبيانات معهد اليونسكو للإحصاء، وتقارير معرض الكويت الدولي للاختراعات.
تقرير “معرفة” لعام 2025 يكشف أن قاعدة معطيات AR CIF سجلت ارتفاعاً هائلاً بلغ 870% في عدد المقالات العلمية العربية، و6800% في عدد المؤلفين المُستشهد بهم مقارنة بتقرير 2016. هذه الأرقام مبهرة بلا شك، وتعكس وعياً متزايداً لدى الباحثين العرب بأهمية النشر العلمي. لكن عندما نضعها تحت المجهر السكاني، نجد الجزائر تتصدر المشهد العربي بعدد المجلات المحكمة (426 مجلة) وعدد المؤلفين المُستشهد بهم (26,834 مؤلفاً)، لديها مؤلف واحد لكل 1677 مواطناً تقريباً. تتبعها مصر بعدد مؤلفين بلغ 21,988 مؤلفاً، أي أن لديها مؤلفاً مُستشهداً به لكل 5912 مواطناً . العراق سجل 21,367 مؤلفاً، أي مؤلف واحد لكل 2106 مواطنين تقريباً. هذا يعني أن العراق يتفوق على مصر في الكثافة العلمية النسبية، بل إن كثافته البحثية تقترب من كثافة الجزائر المتصدرة.
المملكة العربية السعودية، سجلت 10,712 مؤلفاً، أي مؤلفاً لكل 3361 مواطناً، بينما سجل الأردن 6098 مؤلفاً، أي مؤلف لكل 1886 مواطناً، وهي كثافة مرتفعة جداً.
العقول العربية موجودة، لكنها تبحث عن أرض تنبت عليها.
لكن هذه الصورة الإيجابية سرعان ما تتضاءل حين نقارنها بالمحيط العالمي. فمساهمة الدول العربية في الأبحاث العلمية المنشورة في قاعدة Scopus لا تتجاوز 2% من الإنتاج العالمي. والأكثر إيلاماً أن دول الخليج العربية، التي تمتلك أعلى دخل فردي في العالم العربي، تنفق نحو ثلث متوسط الإنفاق العالمي على البحث والتطوير فقط، أي 0.6% من ناتجها المحلي مقابل 1.9% عالمياً. وليس المهم أن تنفق فقط، بل كيف تنفق؟ وأين تذهب النتائج 6% فقط من منشورات دول الخليج تظهر في أفضل 5% من المجلات العلمية، مقارنة بـ14% في المملكة المتحدة و19% في سنغافورة. هذا يعني أن الفجوة ليست في العدد فحسب، بل في التأثير والجودة والقدرة على المنافسة. لسنا غائبين، لكننا هامشيون في اللعبة الكبرى.
أما براءات الاختراع، وهي المؤشر الأكثر دقة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، فرغم تحقيق السعودية والإمارات معدلات نمو سنوية مركبة بلغت 20% و41% على التوالي بين 2015 و2022، فإن العدد الإجمالي لبراءات الاختراع في الخليج لا يزال أقل من نظيره في الدول المقارنة؛ كسنغافورة وكوريا الجنوبية. وهنا تتجلى المفارقة: نملك عقولاً قادرة على الاختراع، لكننا لا نملك البيئة التي تحول الاختراع إلى براءة، والبراءة إلى منتج، والمنتج إلى صناعة.
ولعل أبلغ دليل على وجود هذه العقول هو ما شهدته الكويت قبل أسابيع فقط، في فبراير 2026، حين اختتم معرض الاختراعات الدولي في الشرق الأوسط دورته السادسة عشرة بمشاركة أكثر من 213 مخترعاً يمثلون 30 دولة. لم يكن العرب مجرد حضور هامشي، بل حصد مخترعون من الأردن وفلسطين والكويت والسعودية ومصر والجزائر والعراق جوائز مرموقة في مختلف الفئات: من جائزة نادي العلوم الكويتي التي نالها الفلسطيني سيزار اللحام، إلى جوائز اتحاد الجامعات العربية التي فاز بها فريق من معهد الكويت للأبحاث العلمية، وجوائز مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع التي ضمت خمسة مخترعين كويتيين في المراكز الأولى، وجوائز مكتب براءات الاختراع لمجلس التعاون الخليجي التي ذهبت لمخترعين سعوديين، وجوائز جامعة الدول العربية والمنظمات العربية المتخصصة التي توزعت على مخترعين أردنيين ومصريين وجزائريين وعراقيين. وفي مقدمة هؤلاء، تبرز أسماء مثل المخترعة المصرية سوزان دوش، والجزائري بوحمدون صابر، والعراقيات نجوى أبو مقداد والزهراء عبد الأمير وفاطمة محسن.
هذه الأسماء ليست مجرد أرقام في خبر صحفي، إنها جيل عربي من المخترعين يعمل في الصفوف الأمامية للابتكار العالمي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة: كم طفلاً عربياً يعرف أن نموذج القدوة العلمي يمكن أن يكون جزائرياً أو عراقياً أو سعودياً؟ كم طالباً في المرحلة الابتدائية شاهد صورة مخترع عربياً في كتابه المدرسي، أو زار معملاً حقيقياً، أو قابل مهندسة تروي له قصة شغفها بالعلوم؟ كم منهم سمع أن فتاة كويتية في مثل سنه تدعى قطر الندى العنزي استطاعت أن تحتل المركز الأول في مسابقة إقليمية كبرى؟.
وهذا يقودنا إلى لب المشكلة: التوجه الجامعي في العالم العربي نحو الآداب والعلوم الإنسانية ليس مجرد خيار ثقافي، بل هو نتاج نظام تعليمي يفشل طوال خمسة عشر عاماً في جعل العلوم خبرة معيشية ممتعة. ليس المطلوب تقليل شأن الآداب، بل تحقيق توازن يليق بعصر الثورة التكنولوجية. الطفل العربي يتعلم القوانين الفيزيائية، دون أن يصمم آلة، ويحفظ تصنيف الكائنات الحية، دون أن يجري تجربة على نبات، ويكتب تعريف الطاقة، دون أن يبني دائرة كهربائية. ثم يُتوقع منه في نهاية هذا المسار أن يختار الهندسة أو الطب. لا عجب أن يختار ما يراه ممكناً ومألوفاً…
يتبع في الجزء الثاني.
