دونالد ماكنتاير* – (الإندبندنت) –
تَعِدُ إسرائيلُ الإيرانيين بأنه “معاً سنعيد إيران إلى أيامها الأكثر مجداً”، فيما تترافق المواجهة العسكرية مع تصعيد سياسي وخطاب يتأرجح بين ردع طهران نووياً والتلويح بتغيير النظام من دون تحديد حاسم للهدف النهائي. وفي المقابل، بدت تبريرات الولايات المتحدة للضربات غير متسقة، وأحياناً غير صادقة، ولا سيما في ظل رئيس معروف بسرعة انتقاله من ملف إلى آخر، ومع غياب مؤشرات استخباراتية قاطعة. كل ذلك أسهم في تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة حول شرعية الضربات وحدودها وكلفتها، واحتمال انزلاقها إلى حرب مفتوحة بلا أفق واضح.
* * *
كان الإنذار الصاروخي الثالث، قرابة الساعة 11:30 صباحاً في هذا الحي من القدس، هو الأطول حتى الآن. ومع دوي صفارات الإنذار في أنحاء المدينة -بل وفي أنحاء البلاد كافة- تجمع نحو 30 شخصاً من سكان المبنى السكني، بمن فيهم رضيع يبلغ من العمر أسبوعين وأجداد مسنون (بالإضافة إلى قطة وكلب)، داخل الملجأ الذي يضم مرحاضاً وعدداً شبه كافٍ من الكراسي وخدمة إنترنت متقطعة، لمدة 40 دقيقة تقريباً.
قضى غالبية هؤلاء الأشخاص معظم أيام حرب الاثني عشر بين البلدين العام الماضي في هذا الملجأ بالذات. ولاحظ أحد السكان أن حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد آر. فورد”، التي يقال إنها جوهرة “الأسطول الجميل” الذي جمعه دونالد ترامب استعداداً للهجوم غير المتوقع الذي شنه هو وبنيامين نتنياهو على إيران، أطول من ارتفاع برج عزرائيلي الشهير في تل أبيب.
أياً كانت الآراء الشخصية التي تدور في خلد السكان، فإن أحداً لم يبادر إلى مناقشة أسباب هذه الحرب الجديدة ودوافعها، ناهيك عن طرح الأسئلة المهمة العالقة حول فترة استمرارها، وكلفتها من حيث الأرواح، ومآلاتها.
أما ترامب ونتنياهو فكانا، بطبيعة الحال، أقل تحفظاً بكثير. فقد قدم ترامب، وهو يدرك على الأرجح حجم الشكوك لدى الرأي العام الأميركي بشأن المخاطرة بأرواح الأميركيين في مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، “هذه العملية الضخمة والمستمرة” جزئياً بوصفها وسيلة لوقف العداء الإيراني التاريخي، ولا سيما تجاه الولايات المتحدة، بدءاً من عملية اقتحام السفارة الأميركية لدى طهران في العام 1979، ووصولاً إلى تفجير بيروت الذي أودى بحياة 241 جندياً أميركياً في العام 1983.
غير أن ذروة خطابه جاءت حين خاطب الشعب الإيراني بالقول: “ساعة حريتكم حانت… وعندما ننتهي، تولوا أمر حكومتكم”. وأعلن نتنياهو أن الإيرانيين “يُمنحون الآن فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم”، وهو تصريح عززته رسالة بالفارسية من جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد”، أعلنت عن إطلاق قناة جديدة عالية الأمان على “تيليغرام” للإيرانيين “لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو لنضالكم العادل ضد النظام معنا”. وبينما شددت الرسالة، “قبل كل شيء”، على ضرورة “الاعتناء بأنفسكم”، وعدت بالقول: “معاً سنعيد إيران إلى أيامها الأكثر مجداً”.
لا يحتاج المرء إلى التشكيك، ولو للحظة، في التوق العميق والمبرر تماماً لدى الغالبية الساحقة من الإيرانيين لرؤية نهاية نظام آيات الله القمعي والوحشي -وهي غالبية تفوق بكثير آلاف الأشخاص الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمقاومته- ليدرك أن هذا هدف طموح للغاية، ويمكن للمرء أن يتمنى لو أن مهندسي الهجوم في واشنطن وهنا في القدس قدموا قدراً أكبر من الوضوح بشأن كيفية الإطاحة بطغيان طهران، إذا كان ذلك ممكناً أصلاً، وبما يفضي إلى مرحلة أكثر سلمية وديمقراطية مما آلت إليه محاولات الغرب السابقة لتحقيق الهدف ذاته في أفغانستان والعراق وليبيا.
بطبيعة الحال، قد يكون إنهاء النظام ليس الهدف الحربي المركزي للولايات المتحدة وإسرائيل، على الرغم من الإشارات الحازمة الصادرة اليوم عن قادتهما. وكما قال نتنياهو، مستذكراً الهجوم الذي استمر 12 يوماً وأطلقه في حزيران (يونيو) الماضي، فإن إسقاط النظام لم يكن “الهدف”، لكنه قد يكون “النتيجة”. أو، بنظرة أكثر تشككاً، قد لا يعدو الأمر أن يكون الزعيمان يغلفان رغبتهما في توسيع الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية في المنطقة بلغة الحرية والديمقراطية.
ولكن إذا كان الأمر كذلك، فما الذي سيعد نصراً؟ وإلى أي حد وإلى متى سيكون ترامب مستعداً للمضي في تحقيق أهدافهما المشتركة -إنهاء تخصيب اليورانيوم الإيراني، ووقف إنتاج الصواريخ الباليستية، وقطع دعم طهران لوكلائها في المنطقة- حتى لو كان الثمن أرواح جنود أميركيين؟
تقول الحكومة الإسرائيلية إن آية الله خامنئي قتل، وهو ما يُعد مكسباً كبيراً لنتنياهو. ولكن، حتى لو صح ذلك، فإنه هذا لا يعني بالضرورة انهيار النظام.
لا يقتصر الأمر على أن الرئيس الأميركي يتمادى في تجاوز حدود الدستور بإعلانه الحرب من دون الرجوع إلى الكونغرس، بل إن تبريرات الرئيس ومساعديه للعملية الحالية -التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “زئير الأسد” وسماها الأميركيون “الغضب الجارف”- لم تكن دوماً ثابتة أو صادقة.
لنأخذ على سبيل المثال ادعاءه، الذي ثبت زيفه بصورة لا لبس فيها الآن، بأن الضربات التي شنت العام الماضي قد “دمرت” برنامج إيران النووي. أو تأكيداته، التي دحضها الخبراء، بأن طهران تمتلك صواريخ باليستية قادرة على بلوغ الولايات المتحدة نفسها، بل وأن إيران تمتلك ما يكفي من المواد اللازمة لصنع قنبلة نووية “في غضون أيام”.
غير أن مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة وغيرها لم يرصدوا أي مؤشر على أن إيران استأنفت حتى تخصيب اليورانيوم منذ ضربات العام الماضي، فضلاً عن تطوير آلية يمكن أن تفجر قنبلة. ولذلك يبقى السؤال: لماذا الآن؟
في الأسبوع الماضي، قال جيم هايمز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، عقب لقائه وزير الخارجية ماركو روبيو: “لم نسمع سبباً وجيهاً واحداً يبرر شن حرب أخرى في الشرق الأوسط في هذا التوقيت بالذات”. أما رسالة ترامب المصورة ذات النبرة القتالية، التي بثت في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي، فلم تقدم أي مبرر من هذا القبيل، فضلاً عن أن تطمئن الرأي العام في الغرب بتحديد هدف واضح وقابل للتحقيق لحرب باتت حقيقية ومحفوفة بأخطار لا يمكن تقدير عواقبها.
*دونالد ماكنتاير Donald McIntyreصحفي وكاتب بريطاني بارز عُرف بعمله في الشؤون السياسية والدولية، وخصوصاً بصفته محرراً سياسياً لصحيفة “الإندبندنت” خلال تسعينيات القرن العشرين. برز اسمه في تغطية السياسة البريطانية وقضايا الشرق الأوسط، حيث عمل أيضاً مراسلاً للصحيفة في القدس، حيث قدّم تحليلات معمّقة للصراع العربي-الإسرائيلي. عُرف بأسلوبه التحليلي الدقيق وكتاباته التي تجمع بين الخبرة الميدانية والرؤية النقدية، وأسهم في ترسيخ مكانته كأحد الأصوات الصحفية المؤثرة في الإعلام البريطاني المعاصر.
