عروبة الإخباري –
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتغلب البرامج السريعة على الشاشات، تتألق وبهر البصر، الإعلامية ألمى علي على شاشة تلفزيون LTV كرمز للإبداع الإعلامي والثقافي، وفي برنامجها «بماء من ذهب» لا يقتصر على تقديم المعلومات أو سرد التاريخ، بل يحوّل كل حلقة إلى تجربة حية، يشارك فيها المشاهد الرحلة عبر الزمن، ويشعر وكأنه يعيش الأحداث بنفسه.
ما يميز ألمى علي، هو قدرتها الفريدة على تحويل الحكاية التاريخية إلى تجربة حسية، وفي حلقة الخنساء، استطاعت أن تجسد حياة الشاعرة العربية العظيمة تماضر بنت عمرو بأسلوب يجمع بين رصانة الكلمة ودفء الإحساس، ويمزج بين النبرة الصوتية وحركة الجسد والتعبير البصري بطريقة احترافية تجعل المشاهد يعيش تفاصيل القصة بعمق.
احترافية في الأداء والإحساس
ألمى علي لا تعتمد فقط على ما تقول، بل على كيف تقول. كل وقفة، كل حركة، كل لحظة صمت مدروسة بدقة لتضفي على السرد بعداً درامياً وعمقاً شعورياً، تناغم الصوت والنبرة وحركة اليدين والإيماءات يجعل الحكاية أكثر إقناعاً، ويمنح المشاهد إحساساً بأنه يعيش تجربة الخنساء منذ ولادتها وحتى مآسي فقدان إخوتها وأبنائها.
إعادة الحياة للشخصيات التاريخية
في حديثها عن الخنساء، لم تكتفِ ألمى علي بسرد الأحداث، بل أعادت إحياء شخصية الشاعرة ومشاعرها، فالمشاهِد لا يرى الخنساء كشخصية تاريخية بعيدة، بل يشعر بها كأنها أمامه مباشرة. وعندما تذكر قول النابغة الذبياني عن الخنساء:
“هي أشعر الإنس والجن”، تقدم هذه العبارة ليس كاقتباس جامد، بل كمشهد حي يملأ الشاشة بالروح والشعور.
الخنساء: صوت الحزن الخالد
عرف التاريخ الخنساء، أو تماضر بنت عمرو السلمية، كواحدة من أشهر من عُرفت بالبكاء والنواح. وُلدت في بادية نجد في بيتٍ من بيوت الشرف والسيادة في قبيلة بنو سليم، حيث نشأت بين الرعاية والعناية، محاطة بأخويها معاوية وصخر، وهما من فرسان العرب المعروفين بالشجاعة والكرم.
اللقب الذي اشتهرت به — الخنساء — مؤنث الأخنس، ويشير إلى تأخر طرف الأنف أو انخفاض قصبته، وكان العرب يرون في هذا الشكل علامة جمال ورقة. وقيل أيضاً إن اسمها تماضر جاء لشدة بياضها، لكن اللقب غلب على اسمها حتى أصبح علماً عليها في الجاهلية والإسلام.
ولدت الخنساء في بيئة تقدّر الفروسية والشجاعة، وعرفت بالنبل والأخلاق الرفيعة، ورغم ذلك كانت موهبتها الشعرية نادرة وفطرية، جعلتها من نوادر شاعرات العرب. بدأت موهبتها تتشكل مبكراً، لكنها لم تتألق إلا بعد الفاجعة التي قلبت حياتها: فقد قُتل أخوها معاوية في إحدى وقائع العرب، ثم أصيب أخوها صخر في معركة أخرى فمات متأثراً بجراحه.
هنا تحوّل الحزن إلى شعر خالد. فانطلقت الخنساء في نظم الرثاء بصدق وقوة جعلت من مراثيها أبلغ ما قيل في التاريخ العربي، حتى قال عنها الشاعر الكبير النابغة الذبياني: “هي أشعر الإنس والجن.”
حتى كبار شعراء العرب وقفوا أمام مراثيها مبهورين بصدقها وقوة تعبيرها، وكان صوتها يرن في المجالس كصوت التاريخ الحي.
التحول الإنساني بعد الإسلام
مع بزوغ فجر الإسلام، دخلت الخنساء مرحلة جديدة في حياتها، تغيرت فيها رؤيتها للعالم والفقد. فالمأساة الكبرى لم تكن فقد الأخوة، بل فقد الأبناء في معركة القادسية، حيث استشهد أبناؤها الأربعة في المعركة.
رغم شدة المصاب، استقبلت الخنساء الخبر بإيمان عميق، وقالت قولتها الشهيرة: “الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم.”
هذا التحول من شاعرة تبكي أخاها إلى أمٍ تقف صابرة أمام فقد أبنائها، يبرز قوة شخصيتها ويجعلها نموذجاً للتعامل مع الحزن بالإيمان، ويمثل مثالاً استثنائياً على الصبر الذي ألهم العرب عبر القرون.
أداء ألمى علي… الكلمة تتحول إلى حياة
لم تكن الحلقة مجرد سرد تاريخي، بل كانت عرضاً إعلامياً متقناً حمل بصمة ألمى علي الخاصة. فقدمت الحكاية بطريقتها المميزة التي تجمع بين رصانة الكلمة ودفء الإحساس، مع حضور لافت في لغة الجسد وإتقان واضح للتعبير البصري، حتى بدت الشاشة كأنها مسرح حي للكلمة والتاريخ.
كان تناغم الصوت والنبرة والحركة يمنح السرد بعداً درامياً وجمالياً، فتشعر وأنت تتابعها وكأن الزمن يعود بك إلى الصحراء الأولى حيث وُلد الشعر. ومع كل جملة، كانت ألمى علي ترتفع بالإيقاع السردي، فتقود المشاهد إلى عالم الخنساء، وتُشعره بأنه يعيش تفاصيل حياة الشاعرة، من فقد الأخوة إلى صبر الأمومة، مروراً بمدى تأثير شعرها في العرب قديماً وحديثاً.
ومع إشادة الأدباء والشعراء، تعيد ألمى علي استحضار روح الخنساء، وتبرز عمق شخصيتها الأدبية والإنسانية، فتنجح في أن تجعل البرنامج أكثر من مجرد عرض تاريخي: إنه تجربة ثقافية متكاملة، تجمع بين التاريخ والشعر والدراما الإنسانية، وتثبت أن الإعلام حين يلتقي بالمعرفة يمكن أن يصنع لحظات تبقى في ذاكرة المشاهد.
الخنساء… الخلود عبر الشعر والإيمان
بهذه الطريقة، يظل اسم الخنساء مضيئاً في ذاكرة الأدب العربي، ليس فقط لأنها قالت شعراً جميلاً، بل لأنها عاشت تجربة إنسانية فريدة. الحزن قد يصنع شعراً، لكن الإيمان هو الذي يصنع الخلود، والبرنامج قدم هذه الحقيقة بكل وضوح وإبداع، بفضل أداء ألمى علي الذي جعل من الشاشة منصة حيّة للتاريخ والشعر والإنسانية.
