لم يعد فحص المركبات في وقتنا الحالي مجرد إجراء روتيني لإتمام عملية البيع والشراء، بل تحول إلى أمانة ثقيلة تضيع في كثير من الأحيان نتيجة غياب الخبرة الحقيقية لدى من يتصدرون مشهد الفحص. نحن اليوم أمام واقع مرير تضج به ردهات المحاكم بمئات القضايا المنظورة بسبب تناقض تقارير الفحص لذات المركبة في اليوم نفسه، مما يضع علامات استفهام كبرى حول كفاءة الفاحصين الحقيقية.
الممارسة الميدانية.. شرط لا يقبل القسمة على اثنين
إن الخطأ المهني الذي لا يغتفر في بعض مراكز الفحص هو الاعتماد على كوادر —سواء كانوا مهنيين أو حتى مهندسين— يفتقرون للخبرة الميدانية المباشرة في مهنة “تجليس الهياكل”. ومن واقع خبرتي التي تتجاوز الـ 25 عاماً، أؤكد أن فحص الهيكل ليس مجرد نظر أو قراءة أجهزة، بل هو “استنطاق للمعدن”.
لذا، أشدد على ضرورة إلزام مراكز الفحص بأن يكون فاحص الهياكل فني “تجليس” متمرساً بخبرة لا تقل عن 20 عاماً. هذه المدة ليست مجرد رقم، بل هي كفيلة بإنتاج خبير عاصر الموديلات القديمة والحديثة، وفهم أدق التفاصيل التي تجعل عينه “راداراً” لا يخطئ. فالفني الذي عجن الحديد بيديه يرى ما لا يراه المهندس أو الفاحص من المهن الأخرى، مهما بلغت درجته العلمية.
أضرار الهيكل.. حين ينصف الخبير صاحب المركبة
هنا تبرز أهمية الفني الخبير؛ فليس كل ضرر في “الشاصي” يعني بالضرورة أن السيارة تعرضت لحادث تصادم عنيف. هناك حالات فنية دقيقة قد تغيب عن غير الممارس للمهنة، ومنها:
حفر الطريق: قد يتفاجأ سائق يسير بسرعة عادية بحفرة عميقة، تؤدي لارتطام “مساعد عمود التوازن” بالشاصي، مما يتسبب بتلفه أو حدوث “طعج” في نقاط معينة.
أخطاء الصيانة الميكانيكية: أحياناً يستخدم الميكانيكي التقليدي معدات بطريقة خاطئة تسبب أضراراً بالهيكل المحيط أثناء فك أو تركيب قطع الغيار.
سوء استخدام “الجك”: واجهت حالات لمالكين سجلات مركباتهم نظيفة تماماً، لكن الفحص كشف أضراراً في “المرشة” والأرضية، والسبب ببساطة هو رفع السيارة بطريقة خاطئة لتبديل الإطار.
الفاحص الخبير هو من يستطيع تحديد “السبب الحقيقي” للضرر. وهذا التحليل الفني الدقيق يطمئن المشتري بأن المركبة —رغم وجود العيب— لم تتعرض لحادث سير، بل هو ضرر عرضي لا يمس جوهر السلامة.
التكنولوجيا في مواجهة “العين الخبيرة”
مع توفر المعدات الحديثة والمهنيين المهرة في ورش التصليح، أصبح “إخفاء” الضرر فصلاً من فصول الخداع التي يصعب اكتشافها على غير المتمرسين. الفني الذي مارس التجليس لسنوات طويلة هو الوحيد الذي يعرف أين تضع اليد “اللمسات الأخيرة” لإخفاء العيوب، وهو من يميز بين “درزة” المصنع وبين اللحام الاحترافي المضلل.
كلمة حق.. وأمانة مهنية
إن الخبرة هي الحصن الوحيد ضد التلاعب. الفحص أمانة تتعلق بأرواح الناس وأموالهم، ولا يجوز أن يُترك لغير أهله. إن الـ 20 عاماً من الخبرة هي “حصانة فنية” تنهي الشكوك وتمنع ضياع الحقوق في أروقة المحاكم.
إلى كل مقبل على شراء سيارة: لا تبحث عن التقرير الأسهل أو المركز الأقرب، بل ابحث عن “العين” التي مارست المهنة وشابت فيها، لتعرف حقيقة ما تشتريه بيقين لا يخالطه شك.
