عروبة الإخباري –
في مشهدٍ أدبيٍّ تتزاحم فيه الأسماء وتبهت فيه الكثير من الأصوات، ينهض اسم فاتحة مرشيد، كقيمةٍ راسخة لا كحضورٍ عابر؛ كقمةٍ شامخة صنعت مجدها بوعي العالِم، وشفافية الشاعر، وجرأة المفكّر… هي ليست مجرد كاتبة تملأ الرفوف بإصداراتها، بل تجربة ثقافية متكاملة أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والإبداع، بين العقل والوجدان، بين الواقع والحلم. إنها صوتٌ حين يُنصت إليه القارئ، يشعر أن الأدب ما زال قادرًا على أن يكون رسالةً ونارًا ونورًا في آنٍ واحد.
وُلدت في مدينة ابن سليمان، ومضت في مسارٍ مزدوج قلّ أن يجتمع في شخصية واحدة؛ حصلت على الدكتوراه في الطب سنة 1985، ثم دبلوم التخصص في طب الأطفال سنة 1990، لتجمع بين إنقاذ الجسد وإنقاذ المعنى. في عيادتها تُصغي لنبض الصغار، وفي نصوصها تُصغي لنبض العالم. هكذا لم يكن الطب عندها مهنة فحسب، ولا الكتابة هواية، بل كانا معًا مشروعًا إنسانيًا واحدًا، جوهره الإصغاء العميق لألم الإنسان وأمله.
في الشعر، تكتب مرشيد بلغةٍ متوهجة، شفافة، ومكثفة، تجعل من الصورة الشعرية كائنًا حيًا… من “إيماءات” إلى “ورق عاشق” و“تعال نُمطر” و“آخر الطريق أوّله” وصولًا إلى “لا حزن لي الآن”، يتصاعد صوتها الشعري بثبات، حاملاً أسئلة الوجود والحب والحرية والانكسار. قصيدتها ليست زينة لغوية، بل تجربة روحية، فيها حساسية أنثوية راقية ووعي فكري عميق، لذلك استحقت عن جدارة جائزة المغرب للشعر سنة 2010، تكريمًا لصوتٍ بلغ النضج والفرادة.
و في الرواية، فقد أكدت حضورًا سرديًا لافتًا، جعل منها واحدة من أبرز الروائيات المغربيات في العقود الأخيرة. في “لحظات لا غير”، “مخالب المتعة”، “الملهمات”، “الحق في الرحيل”، “التوأم”، و“انعتاق الرغبة”، نقرأ قدرة استثنائية على تفكيك النفس البشرية، ورصد تناقضاتها، والغوص في أعماق العلاقات الإنسانية بأبعادها النفسية والاجتماعية. شخصياتها نابضة، تعيش صراعاتها بصدق، وتضع القارئ أمام مرآة ذاته.
وفي روايتها “نقطة الانحدار”، تبلغ الكتابة ذروة اشتباكها مع العالم المعاصر؛ تكشف تحولات الحلم حين ينقلب إلى عبء، والنجاح حين يتحول إلى اختبار قاسٍ للهوية والروح. إنها رواية تفضح هشاشة البريق، وتطرح سؤالًا جوهريًا: ما قيمة الصعود إن فقد الإنسان ذاته في الطريق؟ بهذا العمل، تؤكد مرشيد أنها كاتبة لا تكتفي بالحكي، بل تمارس مساءلة فكرية عميقة للواقع.
لم يقتصر عطاؤها على الورق؛ فقد أسهمت لسنوات في نشر الوعي الصحي والثقافي عبر إشرافها على برامج في القناة الثانية المغربية، وقدمت فقرة “لحظة شعر” بروح المبدعة المؤمنة برسالة الكلمة. كما أن عضويتها في اتحاد كتاب المغرب تعكس مكانتها الطبيعية داخل النخبة الثقافية المغربية.
تُرجمت أعمالها إلى لغات عدة، من الفرنسية والإنجليزية إلى الإسبانية والتركية والصينية والأردية، في دليل واضح على أن نصها يتجاوز الجغرافيا، ويخاطب الإنسان أينما كان. إنها تكتب المحلي بروح كونية، وتجعل من تجربتها الخاصة سؤالًا إنسانيًا عامًا.
فاتحة مرشيد ليست مجرد اسم في سجل الأدب المغربي، بل مشروع إبداعي متكامل، وامرأة صنعت مجدها بصبر العلماء وجرأة الشعراء. حضورها ليس طارئًا، وتأثيرها ليس عابرًا. إنها قامة أدبية كتبت ذاتها والعالم بحبرٍ من صدق، ورسّخت اسمها في ذاكرة الثقافة العربية كصوتٍ مضيءٍ لا يخفت.
