أليس روثتشايلد* – (كاونتربنش)
تستخدم شركات متخصصة في التنقيب عن البيانات وأدوات المراقبة والأتمتة أدواتها التقنية ضد الفئات الأكثر هشاشة بيننا -داخل الولايات المتحدة وخارجها على حد سواء. وتشكل هذه الشركات محرّكًا ديستوبيًا يتيح للتقنيات الكبرى تتبّع كل مواطن وغير مواطن، ويُمكّن أجهزة إنفاذ القانون الوطنية والمحلية ذات الطابع العسكري من خطف أيٍّ منا، أو احتجازه، أو قتله من دون مساءلة.
* * *
في ولاية أوريغون، يطلق عملاء “وزارة الأمن الداخلي” و”هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” العملية التي يسمونها “الوردة السوداء” -وهي عملية مراقبة مُخطَّطة تستخدم “حزم أهداف” لتحديد المهاجرين والمواطنين والأحياء السكنية تمهيدًا لمهاجمتهم. وفي غزة، تقوم إسرائيل بتنفيذ ضربة عسكرية تستهدف -في ظاهرها- أحد قادة “حماس”، فتؤدي إلى مقتل 26 شخصًا. ما القاسم المشترك بين هذين الهجومين المُوجَّهين؟
ثمة شركات التكنولوجيا العملاقة التي تسهِّل هذه الهجمات العنيفة التي تشنها “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” في الولايات المتحدة، والتي تُسهِم في تعميق الكارثة الإنسانية وسقوط هذا العدد المتزايد من القتلى في غزة. ويتم ذلك من خلال جمع كميات هائلة من بياناتنا الشخصية واستخدامها للتنبؤ بسلوك الأفراد، أو لتحديد أهداف للضرب. وقد اقتحمت هذه التكتيكات وتقنيات الاستهداف المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي منازلنا، وأماكن عملنا وأحياءنا.
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” في 30 كانون الثاني (يناير) مقالًا بعنوان “كيف تعرف “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” فعليًا مَن هم متظاهرو مينيابوليس”. ويتناول المقال مزيجًا من تقنيات التعرّف على الوجوه، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، و”أدوات تقنية أخرى”، التي تُمكِّن عملاء “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” من تحديد المهاجرين غير الموثقين والمواطنين الذين يشاركون في الاحتجاجات، وتعقبهم -بل والتعرّف عليهم بالاسم أثناء الاحتكاك بهم. ويستخدم عملاء الهيئة برامج للتعرّف على الوجوه، من بينها تطبيقات تُنشئ قاعدة بيانات للصور المُستخرَجة من “فيسبوك” و”يوتيوب” و”فينمو” وملايين المواقع الأخرى، بالإضافة إلى تطبيق يُدعى “موبايل فورتيفاي” تستخدمه “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” على هواتف حكومية لجمع البيانات البيومترية. ومنذ العام 2011، يعمل العملاء أيضًا باستخدام قاعدة بيانات بنتها شركة “بالانتير” Palantir -العملاقة في مجال التنقيب عن البيانات، التي تُقدَّر قيمتها بأكثر من 300 مليار دولار، والتي أسسها بيتر ثيل، ولها صلات بوكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه). ويشير مقال “نيويورك تايمز” إلى أن قاعدة بيانات “بالانتير” هي منصة “تجمع بين البيانات الحكومية والتجارية لتحديد المواقع الفعلية للأشخاص الذين تسعى وراءهم في الوقت الحقيقي”.
وقد حصلت الشركة على عقد بقيمة 30 مليون دولار من “وزارة الأمن الداخلي” الأميركية لإنشاء نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي لتحديد وتعقب الأفراد المرشحين للترحيل من البلاد. وتتعاون “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” مع “بالانتير” من خلال قاعدة بيانات تدمج معلومات مختلفة لمساعدة العملاء في تحديد الأشخاص غير المواطنين. كما تُشغِّل “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” أداة جغرافية مكانية تُدعى “إيلات” ELITE طوّرتها شركة “بالانتير”، والتي تمكّنها من تحديد الأحياء السكنية التي ستداهمها. “وتتيح الأداة لـ’هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك‘ ملء خريطة بأهداف محتملة للترحيل، واستعراض ملفات تعريف لكل شخص، والاطلاع على ’درجة موثوقية العنوان‘ استنادًا إلى بيانات مأخوذة من ’وزارة الصحة والخدمات الإنسانية‘ وغيرها من الوكالات الحكومية”.
كما استحوذت “وزارة الأمن الداخلي” على أدوات عدة لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يمكنها “التعمق في هواتف الناس المحمولة”. ووفقًا لـ”نيويورك تايمز”، فإن “’شركة باراغون‘، وهي شركة تكنولوجيا إسرائيلية، تُمكِّن الوزارة من السيطرة على الهواتف أو اختراقها عن بُعد لقراءة الرسائل أو تتبع المواقع”. وهذا يتيح لـ”هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” مراقبة حيٍّ في مدينة ما وتتبع مواقع الهواتف وأصحابها بمرور الوقت من دون إذن قضائي. وقد تعززت الروابط بين إسرائيل ووكالات إنفاذ قوانين الهجرة الأميركية منذ العام 2001 عن طريق تنظيم “وفود مشتركة وتدريبات وتبادلات تكنولوجية”. وأصبحت التكتيكات الخوارزمية التي تم تطويرها لتحديد الأهداف في غزة منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحوّل “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” لتعمل بشكل “أقرب إلى وحدة عسكرية منها إلى جهاز لإنفاذ قوانين الهجرة”.
بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، كانت “بالانتير” عنصرًا أساسيًا للجيش الإسرائيلي وفي ما تصفه كاتبة مقال “نيويورك تايمز” بالإبادة الجماعية في غزة، خاصة منذ توقيع شراكة استراتيجية مع “وزارة الدفاع الإسرائيلية” في العام 2024. وكانت “بالانتير” قد افتتحت مكتبًا في تل أبيب في العام 2015. ويفتخر الجيش الإسرائيلي بقدرته على مراقبة كل فلسطيني في الضفة الغربية وغزة، واستهداف أفراد بالاستناد إلى الذكاء الاصطناعي، والكثير من هذه التقنيات توفرها “بالانتير” بمساعدة خوادم “مايكروسوفت” السحابية. وتمنح هذه الأنظمة المؤسستين العسكرية والاستخباراتية “قدرات استهداف متقدمة وقوية” باستخدام تقارير استخباراتية سرية. ووفقًا لإدوارد سنودن، فإن جزءًا كبيرًا من ذلك جاء من “وكالة الأمن القومي الأميركية” التي “زوّدت إسرائيل باتصالات هاتفية وبريد إلكتروني خام وغير منقَّح بين فلسطينيين أميركيين في الولايات المتحدة وأقاربهم في الأراضي المحتلة”. وتستخدم الوحدة 8200 الإسرائيلية هذه المعلومات لاستهداف آلاف الفلسطينيين بالقتل -غالبًا باستخدام أسلحة أميركية الصنع.
تغلغلت “بالانتير” بقوة في أروقة الحكومة الأميركية، ورسخت لنفسها حضورًا في “وزارة الدفاع”؛ و”برنامج الرعاية الصحية” (ميديكير)؛ و”دائرة الإيرادات الداخلية”؛ و”المعاهد الوطنية للصحة”؛ و”مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها”؛ وأقسام الشرطة. وهي تمتد الآن إلى نظام الرعاية الصحية، حيث تدير 21 في المائة من أسرّة المستشفيات في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى “الخدمة الصحية الوطنية” في المملكة المتحدة. ويثير هذا الارتباط تحديدًا مخاوف من تصاعد مراقبة الدولة ومشاركة البيانات الطبية مع “هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” بذريعة إنفاذ قوانين الهجرة.
تتصاعد المعارضة لشركة “بالانتير”، بدءًا من احتجاجات العاملين فيها وصولًا إلى المظاهرات العامة، حيث يندد المعارضون بتواطؤ الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، وكذلك شركات التكنولوجيا الكبرى التي تعتمد عليها هاتان الحكومتان. وتتصدى حملة “تطهير فلسطين” لتنامي دولة المراقبة، بينما يعمل مشروع “كشوف رواتب بالانتير” على كشف العلاقات بين الشركة وقيادات في واشنطن، وفضح أعضاء في الكونغرس تلقّوا تبرعات من الشركة. وعندما يتعلق الأمر بنفوذ الطبقة فائقة الثراء، فإن 85 في المائة من تبرعات موظفي “بالانتير” منذ العام 2006 جاءت من خمسة رجال أثرياء من كلا الحزبين.
شركة “بالانتير” هي عملاق رائد في مجال التنقيب عن البيانات وأدوات المراقبة والأتمتة التي تُستخدم ضد الأكثر هشاشة بيننا -داخل البلاد وخارجها على حد سواء. وتمثل هذه الشركة محرّكًا ديستوبيًا يتيح للتقنيات الكبرى تتبّع كل مواطن وغير مواطن، ويُمكّن أجهزة إنفاذ القانون الوطنية والمحلية ذات الطابع العسكري من خطف أيٍّ منا أو احتجازه أو قتله من دون مساءلة.
انتبه.. الأخ الأكبر يراقبك!
*أليس روثتشايلد Alice Rothchild: طبيبة وكاتبة وصانعة أفلام ركزت اهتمامها بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية على الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني منذ العام 1997. مارست طب النساء والتوليد قرابة أربعين عامًا. شغلت، حتى تقاعدها مؤخرًا، منصب أستاذة مساعدة في طب النساء والتوليد بكلية الطب في جامعة هارفارد. تكتب وتحاضر على نطاق واسع، وهي مؤلفة كتابي “وعود مكسورة، أحلام محطمة: قصص من الصدمة والصمود اليهودي والفلسطيني”؛ و”على الحافة: إسرائيل وفلسطين عشية غزو غزة العام 2014”. كما أخرجت فيلمًا وثائقيًا بعنوان “أصوات عبر الانقسام”، وتنشط في منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Welcome to 1984
