عروبة الإخباري –
الدستور نضال برقان –
«دردشة ثقافية» فسحة نتجوّل من خلالها في المختبر الإبداعي لكوكبة من المبدعات والمبدعين الأردنيين والعرب. نستحضر عبرها ثلاثة من أكثر الأسئلة التصاقًا بالكتابة وشجونها: لماذا نكتب؟ ولِمَن نكتب؟ ومتى نكتب؟ ثم ننطلق إلى فضاءات الفكر والأدب والإبداع بمختلف تجلياته، وما يتقاطع معه من هواجس اجتماعية وسياسية.
في هذه الدردشة نستضيف الأديب الأردني يوسف عزّت أبو جيش.
* بدايةً، لو طُلب منك أن تعرّف نفسك للقرّاء بشيء من البوح، أو بكثير منه، فماذا تقول؟
– يوسف عزّت أبو جيش كاتب وروائي يحاول أن يقترب من المعنى داخل تفاصيل الحياة اليومية العادية. لا أقدّم تعريفًا مكتملًا لنفسي؛ فما زلت في حالة بحث مستمر عبر الكتابة. أراقب الاشتباكات الصغيرة بين الإنسان وواقعه، بين ما نحلم به وما نصطدم به، وأحاول أن أضع هذه اللحظات في نصوص تميل إلى الصدق قبل أي شيء.
في تجربتي، الكتابة مواجهة هادئة مع الأشياء كما هي. أنا حصيلة المكان الذي عشته، والتجارب التي مررت بها، والسفر، والغربة التي ما زلت أعيشها. تعلّمت أن القوة تبدأ من الاعتراف بالضعف، وأن الأدب يكتسب قيمته حين يلامس حياة الناس كما هي، دون تزيين.
* لماذا تكتب؟ ولِمَن تكتب؟ ومتى تجد نفسك في الحالة الأصدق للكتابة؟
– لماذا أكتب؟ لا أعرف إن كان لديّ جواب مكتمل لهذا السؤال، لكنني أعرف أن هناك أشياء لو لم أكتبها تبقى عالقة في صدري كحجر. الكتابة ليست قرارًا عندي؛ هي أشبه بردّ فعل متأخر على ما عشته ولم أفهمه وقتها.
أكتب حين أشعر أن شيئًا في داخلي يختنق، حين تتراكم الخسارات الصغيرة، وحين يصبح الصمت أثقل من أن يُحتمل. لا أكتب لأقول إنني فهمت؛ أكتب لأنني لم أفهم بعد. ولا أكتب لأنتصر على وجعي، بل كي لا يبتلعني بالكامل.
لمن أكتب؟ أكتب لمن يشبهني ولا يعرف كيف يقول ما فيه. لمن يمشي في الشارع ويشعر أنه غريب قليلًا. لمن خذلته الحياة بصمت ولم يجد لغة يشرح بها ما حدث له. أكتب للإنسان حين يكون بلا قناع، حين يكون ضعيفًا وخائفًا وعاديًا جدًا.
أما متى أكتب بصدق؟ فأكثر لحظات الصدق تأتي حين تضيق المسافة بيني وبين الحقيقة، حين لا تعود الكتابة ترفًا بل ضرورة جسدية تقريبًا. هناك رجفة تسبق النص، كأن الجسد يعرف قبل اللغة. في تلك اللحظة أكتب لا لأُبهر أحدًا، بل لأبقى واقفًا.
* إلى أيّ حدّ ترى أن المكان الأردني حاضر في كتابتك بوصفه تجربة حيّة لا مجرّد خلفية؟
– المكان الأردني حاضر في كتابتي بوصفه تجربة عيش يومية، لا خلفية ولا ديكورًا. عمّان تحديدًا ليست مدينة أكتبها من الخارج؛ خرجت منها وإليها أكثر مما سكنت فيها بهدوء. علاقتي بها ملتبسة: فيها انتماء، وفيها تعب لا يمكن تجاهله، وأسئلة لم تجد جوابها بعد.
في رواية «ظلّ الطريق» كان المكان عمودًا فقريًا للنص. الأحياء، الشوارع، قاع المدينة، تفاصيل العيش، صراع الخبز والحياة كلها دخلت الرواية لأنها جزء من تكويني، لا مادة تزيين. المكان هناك لا يمنح الطمأنينة فقط، بل يضعك في مواجهة نفسك.
أعود إلى عمّان كلما أثقلتني الغربة، ثم أكتشف أن أسئلتها ما زالت في انتظاري. أحبها، وأتعب منها، وأكتبها كما هي؛ مدينة تشبهني بقدر ما ترهقني.
* هل تخشى أن يتحوّل صوتك الإبداعي إلى تكرار ذاتي؟
– لا أخاف من تكرار الموضوعات؛ فالإنسان واحد، والوجع واحد، والمكان يعود في كل نص بشكل أو بآخر. الخوف الحقيقي أن أكرر نفسي: أن أكتب بالجملة التي اعتدتها، وبالنبرة التي صارت تعرف الطريق وحدها.
حين أشعر أن النص يمشي بسهولة زائدة أقلق وأتوقف. أحيانًا أحذف ما كتبت لأنني أشعر أنه خرج من الذاكرة لا من التجربة. في «ظلّ الطريق» حاولت أن أهرب من هذا الفخ؛ لعبت بالزمن وكسرت خط الحكاية لأبقى قريبًا من منطقة التجربة لا منطقة الراحة.
أظن أن التكرار يبدأ حين يطمئن الكاتب أنه فهم، وأنا ما زلت أكتب لأن في داخلي أشياء لم تُفهم بعد.
* هل هناك خوف من الذكاء الاصطناعي على العملية الإبداعية؟
– نعم، هناك خوف حقيقي حين يقترب الذكاء الاصطناعي من منطقة الكتابة الإبداعية. ليس خوفًا تقنيًا؛ فالآلة مفيدة في مجالات كثيرة. الخوف يبدأ حين يُطلب منها أن تكتب بدل الإنسان.
الكتابة تجربة عيش، وقت يُستهلك من العمر، ووجع يترك أثره على الجملة. الآلة تستطيع ترتيب اللغة، لكنها لا تعيش ما نعيشه، ولا تحمل الذاكرة ذاتها. الكاتب أحيانًا يكتب ليخفف ثقلًا داخليًا، ليقول ما لا يستطيع قوله بصوت عالٍ. هذه اللحظة لا تُصنع تقنيًا؛ إنها رجفة شعور تسبق الجملة.
* هل المشهد الثقافي منصف للمبدعين؟
– المشهد الثقافي غير منصف أحيانًا. نعم، أنصف أسماء تستحق، وفيه أصوات حقيقية وتجارب مهمة، لكن الضوء لا يصل دائمًا لمن يستحقه بقدر ما يصل لمن يمتلك شبكة علاقات أوسع.
توجد شللية ومجاملات، وحالة محسوبية تجعل الضوء يدور في الدائرة نفسها. ومع ذلك، هناك حركة أدبية جادة في الأردن، لكنها تتحرك بصعوبة وتحتاج جهدًا مضاعفًا كي تُرى.
الكاتب الأردني يحتاج إلى نقد صادق لا مجاملة فيه، وإلى أن يبقى بعيدًا عن أي وصاية تحاول توجيه صوته. ويحتاج صبرًا طويلًا، لأن الاستمرار هنا يعتمد على إيمانه بما يكتب، حتى وهو يعمل في الظل.
* ما المشروع الذي تعمل عليه حاليًا؟
– أعمل منذ فترة على مشروع روائي جديد. أنهيت «ظلّ الطريق» مطلع 2024، ثم احتجت إلى مسافة وهدوء، كأنني أسترد نفسي من نص استنزفني طويلًا.
العودة لم تكن سهلة. أكتب ببطء شديد، وأحيانًا أشعر أنني أدفع الجملة دفعًا. الشخصية الرئيسية تستنزفني: رجل يقف على حافة التلاشي، يحاول أن يفهم لماذا يعيش أصلًا. الاقتراب منه متعب، لأنني مضطر إلى صدق مؤلم معه؛ أي جملة مزينة تفضحه.
بالتوازي، أعمل ضمن مشروع تطوعي لتخليد خمسين شخصية عربية وإسلامية بأسلوب سردي إنساني، وكُلّفت بكتابة سيرة إدوارد سعيد. ليس توثيقًا جافًا، بل نص يحاول الاقتراب من روحه وقلقه وسيرته الداخلية. الكتابة عن قامة فكرية بهذا الحجم مسؤولية ثقيلة.
أنا موزع بين عملين يستهلكانني بطرق مختلفة: الرواية تأخذني إلى الداخل، إلى مناطق مظلمة في النفس، ومشروع السِّير يأخذني إلى البحث والتدقيق والخوف من الخطأ.
* ما أبرز انشغالاتك الإبداعية الراهنة؟
– أنشغل بالإنسان حين يهدأ الضجيج من حوله ويجد نفسه وجهًا لوجه مع حياته. أكتب عن لحظة يكتشف فيها أن ما كان يصدقه لم يعد يقنعه، وأن عليه أن يعيش رغم ذلك.
تشغلني أسئلة الهوية، والغربة، والخسارات الصغيرة التي لا يراها أحد لكنها تترك أثرًا عميقًا. أقرأ كثيرًا هذه الفترة لأبقى يقظًا، وأتابع الأفلام لأن الصورة أحيانًا تقول ما تعجز عنه الجملة.
لا أكتب لأقدّم فكرة جاهزة، بل لأفهم ما الذي يحدث داخلنا، ولأبقى متماسكًا قليلًا، لا أكثر.
* كلمة أخيرة للمبدعين الشباب؟
– ليست نصيحة بقدر ما هي دعوة: اكتبوا الإنسان كما هو، بتعبه وصمته وبالأشياء التي يخفيها. لا تتركوا الآلة تكتب مكانكم. قد ترتّب الجملة، لكنّها لا تعرف ماذا يعني أن تجلس وحدك وتحاول أن تكتب لأن صدرك ممتلئ.
إن لم تمرّ العبارة من قلب صاحبها، لن تصل إلى قلب أحد.
