عروبة الإخباري
ثمة أقلامٍ تُكتب، وثمة أقلامٍ تُربّي وثمة كلماتٍ تُقرأ، وثمة كلماتٍ تُعاش، أما ما تخطّه الدكتورة العلّامة الأستاذة الدكتورة فلك مصطفى الرافعي، فهو من ذلك النسيج النادر الذي لا يكتفي بأن يعبر العين إلى العقل، بل يتجاوزهما إلى القلب والوجدان. إنها كتابةٌ تشبه السجود في خشوعه، وتشبه الدعاء في صدقه، وتشبه النور في هدوئه وانتشاره.
وليس غريبًا أن يكون هذا القلم امتدادًا لبيتٍ كان العلم فيه رسالة، والكلمة فيه أمانة، فمن يعرف سيرة والدها العلّامة الدكتور الق مصطفى الرافعي، يدرك أن الفكر في هذه المدرسة لم يكن زخرفًا ثقافيًا، بل التزامًا أخلاقيًا، وأن البيان لم يكن ترفًا لغويًا، بل مسؤولية أمام الله والناس. ومن هنا نفهم أن ما تكتبه الدكتورة فلك ليس ومضة عابرة، بل هو ثمرة جذورٍ راسخة؛ جذعٌ حمل لواء العلم، وغصنٌ أثمر وعيًا متجدّدًا، ووريثةٌ لم تكتفِ بالحفظ، بل أضافت وأبدعت وارتقت.
في مقالها «ما بين الصيام والصوم» لم تقف عند حدود التفريق اللغوي، بل فتحت لنا بابًا على أسرار التربية القرآنية. جعلتنا نرى أن الحرف في القرآن ليس بديلًا عن آخر، وأن كل لفظةٍ موضوعة بميزان الحكمة. وحين استحضرت مشهد نبيّ الله زكريا، لم تقدّمه كقصةٍ تاريخية، بل كدرسٍ أبديّ في أن الصمت قد يكون أبلغ من القول، وأن الإمساك عن الكلام قد يكون شرطًا لنضج المعجزة.
ثم ارتقت بنا إلى مقام السيدة البتول مريم، في لحظةٍ تمتحن فيها السماء قلب الأرض، فتختار الصوم عن مخاطبة الناس، لا عجزًا ولا هروبًا، بل ثقةً مطلقة بأن الله سيتكفّل بإظهار الحق. ويولد السيد عيسى، فتتكلم الآية، ويسقط الاتهام، ويصمت البشر أمام بيان القدرة. هنا تبلغ الدكتورة فلك ذروة التصوير الروحي: حين يصبح الصمت قمة البلاغة، ويغدو الامتناع ذروة الفعل.
أما انتقالها إلى «الصيام» المفروض على المؤمنين، فقد جاء انتقالًا واعيًا من الخاص إلى العام، ومن المعجزة إلى التشريع، ومن الحدث الاستثنائي إلى المنهج الدائم. فالصيام — كما تصوغه — ليس امتناعًا بيولوجيًا عن الطعام والشراب، بل ثورةً هادئة على فوضى النفس. إنه هندسة داخلية تعيد ترتيب الأولويات: أن يجوع الجسد ليشبع الضمير، وأن يعطش الفم ليصفو القلب، وأن تُقيَّد الشهوة لينطلق المعنى.
وما أبهرني — وأقولها بصدق — أن هذا المقال لم يكتفِ بالتأصيل، بل انفتح على جراح الواقع. ربطت الكاتبة بين الصوم عن الكلام وانحدار الخطاب العام، بين غياب فضيلة الإمساك وانفجار الضجيج في السياسة والإعلام والمجتمع. وكأنها تقول لنا: ما قيمة أن نصوم عن الطعام شهرًا، ونحن لا نصوم عن الأذى عامًا؟ ما قيمة أن نضبط بطوننا، إذا لم نضبط ألسنتنا؟
ومنذ رمضان الماضي — وأعترف بذلك دون تردد — وأنا أجد نفسي أترقب مقالات الدكتورة فلك كما يترقب المؤمن نفحات الشهر الفضيل. يمكن القول إنني أدمنت هذا اللون من الكتابة؛ إدمانًا نبيلًا يحرّر ولا يستعبد، يوقظ ولا يخدّر. ففي كل نصٍّ لها أشعر أنني لا أقرأ مقالًا، بل أدخل مجلس علمٍ وروح، وأخرج منه أخفّ حملًا، وأصفى قلبًا، وأوسع أفقًا.
إن أسلوبها يجمع بين جزالة البيان وشفافية الروح؛ بين الصرامة الفكرية والدفء الإيماني. تكتب كأنها تنسج خيوطًا من نور، وتبني جسرًا بين النصّ القرآني وواقع الإنسان المعاصر. لا تتعالى على القارئ، ولا تساوم المعنى، بل تمضي بثقة العالم وتواضع العابد.
وإذا كان للصيام مدرسة، فإن مقالات الدكتورة فلك الرافعي هي بعض فصولها الراقية. تعلّمنا أن الإمساك ليس حرمانًا، بل اختيار. وأن الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء. وأن الكلمة — إذا لم تُزكَّ — قد تهدم ما يبنيه الصيام من نقاء.
إنها كتابةٌ تُعيد للعبادة عمقها، وللكلمة قدسيتها، وللفكر مسؤوليته. كتابةٌ تذكّرنا أن ما بين الصيام والصوم ليس مجرد فرقٍ في اللفظ، بل مسافة بناءٍ كاملة؛ مسافة يرتقي فيها الإنسان من ظاهر الامتناع إلى باطن الصفاء.
كل التحية لقلمٍ يحمل أمانة مدرسة، ويجدد عهدها، ويصوغها بروح عصرها. وكل الدعاء أن يبقى هذا النور متقدًا، وأن نبقى نحن من الذين لا يكتفون بقراءة المعنى، بل يسعون إلى عيشه.
من صومٍ يطهّر الكلمة، إلى صيامٍ يطهّر القلب، تمضي الدكتورة فلك الرافعي بنا في رحلةٍ نادرة؛ رحلةٍ لا نخرج منها كما دخلنا، بل نخرج ونحن أكثر إنسانية، وأقرب إلى الله، وأصدق مع أنفسنا.
