أنا هنا في عدن، أمسك شاشة هاتفي، وأقرأ مقال عمران الخطيب. شعرت وكأن قلبي يرفرف مع كل كلمة، وكأن فلسطين نفسها تتحدث من بين الحروف. كل حدث في مقاله يتحول إلى وعد حيّ لا يموت، وكل وصف فيه يحمل رائحة الأرض والتاريخ والكرامة، وكأن الخطيب لم يكن يكتب فقط، بل يزرع فلسطين في كل قلب يقرأه.
نقل الخطيب الحدث في مجلس النواب الأردني، حين ارتفعت أيادي النواب لتغيير اسم “دولة إسرائيل” إلى “العدو الإسرائيلي”. لحظة تبدو بسيطة على الورق، لكنها ثقيلة بالمعنى، مليئة بالرمزية، كأن كل صوت، كل يد مرتفعة، تقول بصوتٍ واحد: فلسطين ليست مجرد اسم على الورق، بل وعد حيّ لا يموت.
عمران الخطيب، الصحفي الفلسطيني الوطني، حاضر بروحه وفكره في قلب الحدث، كالقلم الذي لا يصدأ، كالرصاصة والسيف معًا. يعيش كل منعطف سياسي وعسكري في العالم العربي والإسلامي، ويخرج منتصرًا لفلسطين في كل مرة. هو لا يكتب فقط، بل يعيش الحدث، يجعل الكلمة تصرخ بالحقيقة وتصل لكل قلب يحمل الوطن.
قبل أن ترتفع الأيادي، يذكرنا الخطيب بكلمات أمه في مخيم جرش: “الأسماء يا بني آخر ما تموت. الجدران تموت، والأشجار تموت، لكن الأسماء تعيش في الحناجر كالرصاص الحي.” وتذكر جدّه في يافا، كل جمعة يلمّع مفتاح بيته القديم: “المفاتيح لا تصدأ إذا كان البيت حيًا في القلب.” كلمات تتردد في قلبي هنا في اليمن، تجعلني أرى فلسطين حاضرة رغم بعد المسافات والحدود.
حين ارتفعت الأيادي، شعر الخطيب أن القاعة اتسعت لتضم كل من حمل فلسطين في قلبه، لم يكن مجرد جسم بين الحضور، بل كان كل قلب فلسطيني، كل طفل لم يعرف وطنه، كل جدّ يحنّ لبيته المهدّد، وكل شهيد رحل ولم يُنسَ. كانت لحظة امتزج فيها الفعل بالكلمة، والحدث بالرمزية، والقرار بالحياة.
كان بإمكانك أن تشعر بالسكينة والرهبة في الوقت ذاته، فالنواب لم يكونوا مجرد أشخاص يؤدون واجبهم، بل امتداد لكل فلسطيني يحمل قضيته في قلبه. كان هناك من رفع يده بفخر، ومن حنّت له نفسه على الضحايا، ومن أحسّ بثقل التاريخ على كتفيه، وهو يشارك في كتابة صفحة من ذاكرة الأمة.
ظل الملك الحسين بن طلال يحوم في ذهن الخطيب بابتسامته الهادئة، وكأنه يقول: “هكذا علمتكم… الأردن يقف مع الحق ولا يقف وحده.” وصوت الملك عبدالله الثاني يتردد في المحافل الدولية، كلمات صلبة مثل زيتونة فلسطينية لا تنحني مهما اشتدت العواصف. شعور الخطيب عند التصويت كان لحظة امتزج فيها التاريخ بالواقع، الماضي بالحاضر، والذاكرة بالأمل، وكأن كل فلسطيني في كل مكان يشارك في رفع تلك الأيادي بصمت.
لم يكن القرار مجرد ورقة، بل قصيدة وطنية مكتوبة بالحبر. كل حبر على الورق صار أغصان زيتون، ثابتة رغم العواصف، يشهد أن الحق حاضر دائمًا، وأن فلسطين ليست مجرد أرض، بل ذاكرة وهوية وعد حيّ لا يموت.
في الشارع الأردني، كانت ردود الفعل مباشرة، الناس يقرأون الخبر ويبتسمون بصمت. بائع الجريدة على الرصيف يقول لزبائنه: “هذه ليست مجرد أخبار، هذه لحظة تاريخية لكل قلب فلسطيني.” وفي غزة، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالتهاني والتقدير لموقف الأردن وثباته، وكأن الكلمات والقرار عبروا البحر لتصل إلى كل بيت فلسطيني، كل قلب محتج، كل طفل يتعلم أن الكلمة يمكن أن تنتصر.
هنا في اليمن، وأنا أكتب هذه السطور، شعرت أن الكلمات تتحول إلى صمود، شعرت بنفسي أقف بجانب الخطيب، أشارك شعوره، كالقلم الذي لا يصدأ، كالرصاصة والسيف معًا. فلسطين حيّة، والكلمة الوطنية التي لا تموت حاضرة في كل قلم يكتبها، وفي كل قلب يحملها.
فلسطين ليست حبراً على ورق، وليست مجرد قضية سياسية… فلسطين وعد حي، شجرة زيتون عمرها ألف عام، ومفتاح لا يصدأ، وكلمة في الحناجر كالرصاص الحي. والكلمة التي لا تموت… تستحق أن تُكتب، وتستحق أن تُحيا، وتستحق أن يعيش كل من يحملها في قلبه.
وفي زاوية أخرى من العالم، في غرفة صغيرة، أمام شاشة قديمة، كان طفل فلسطيني يشاهد الخبر. لم يفهم كل الكلمات، لكنه فهم شيئًا واحدًا: هناك من يتحدث عنه، من يحمل اسمه، من لا ينسى. ابتسم الطفل، وبدأ يرسم علم فلسطين على كراسته، والقلم يرتعش قليلاً، لكنه كان ثابتًا، مثل جذور الزيتون، مثل المفاتيح العتيقة، مثل الحبر الذي لا يموت.
وهكذا، تتحول الكلمات إلى صمود، وتحول الحبر إلى وعد، وتحول القلم الفلسطيني الوطني إلى رصاصة وسيف، يدخل المعارك السياسية والحربية وينتصر، حاملاً فلسطين في قلبه، وحاملاً لنا الأمل في كل لحظة نقرأ فيها الحقيقة ونعيشها، كما عاشها عمران الخطيب… وكما أعيشها أنا هنا في عدن.
من اليمن إلى الأردن إلى فلسطين، تبقى الكلمة الواحدة تجمعنا، وتبقى القضية الواحدة توحدنا. وفي النهاية، يبقى الأمل… يبقى النبض… تبقى فلسطين. وتبقى الكلمة في الحناجر كالرصاص الحي
البرلمان الأردني يقدّم خطوة نوعية باستخدام مصطلح “العدو الإسرائيلي* نجيب الكمالي
7
