Table of Contents
مقدمة
إن وجود هيكل تدخل إنساني فعال يرتبط بوجود ممثل للدولة، ينظم عمل هذا الهيكل وينسق بين الفواعل في الميدان، ويمثل وجود الدولة (منظم عام)، يعدّ ضمانًا للسيادة وتوحيد سياسات التدخل وعدالة الوصول. وزاد الوضع الاستثنائي الفلسطيني – في ظل وجود جسمين حكوميين – من حالة الفوضى، وعزز من ذلك تعمد الاحتلال تدمير البنى المؤسسية لكليهما وغيابهما عن المشهد. أفضى هذا الفراغ إلى غياب المرجعية المعلوماتية الموحدة وتفرّد الجهات الفاعلة في إدارة عملياتها، التي تتضمّن بيانات المستفيدين ومعايير وآليات التوزيع والرقابة، وهو ما خلق بيئةً خصبةً لتمرير تجاوزاتٍ حادّة، أدّت إلى هدر الموارد، وغياب المنظِّم الحكومي لنشوء آليات سوق جديدة وارتجالية مبنية على مجموعات متنفذة تتربّح من المساعدات، وتُحوّلها من حق إنساني إلى أداة للتكسّب غير المشروع والابتزاز؛ ما قوّض الثقة في عدالة التدخلات الإغاثية.
تأتي هذه الورقة في سياق تغيّرات سياسية وميدانية متسارعة، في غزة وبشأنها، وضمن جغرافيا “متحركة” ترتكز على خطوط أمنيّة وضعها الاحتلال تُهدّد حياة كل من يقترب منها؛ الأمر الذي يفرض تحدّياتٍ يوميةً تُؤثّر على الوصول الإنساني الآمن للمساعدات، ويُربك خطط الاستجابة. وتستعرض الورقة جذور الأزمة، وتطرح نموذجًا سياساتيًا يهدف إلى تنظيم الاستجابة الإغاثية عبر آلياتٍ تضمن استعادة الكفاءة في إدارة الموارد في جميع المراحل.
المشكلة السياساتية
تتمثل المشكلة السياساتية في غياب المظلّة التنظيمية الفلسطينية المُوحَّدة لإدارة الاستجابة الإنسانية في غزة؛ ما أوجد حالةً من التشتت والقصور المؤسّسي في جميع مراحل سلسلة التوريد والتوزيع، وأنتج تخبّطًا إداريًا في إدارة الملف من جهات متعددة، محلية ودولية، وأدّى إلى نشوء تدخّلات تعمل في مسارات مُنعزلة، وتفتقر إلى مستويات التنسيق والتكامل الميداني الفعالة.
وأفضى تشتّت الصلاحيات إلى فوضى معلوماتيّة، وحجب للبيانات، ونشوء “جزر معزولة” تُكرّس الازدواجية، وتوفر غطاءً للإفلات من المساءلة، وتمنع رسم خريطة احتياج عادلة وشاملة، تتواءم مع الأولويات الميدانية الطارئة للمجتمع المحلي، فضلًا عن استغلال هذه الفوضى ذريعة تقنية لإعاقة تدفق المساعدات، ومنه قرار الاحتلال الإسرائيلي حظر 37 منظمة دولية في غزة[5] بدعوى “عدم الامتثال لمعايير البيانات”.
الهدف العام
الأهداف الفرعية
- آلية مرجعية موحدة للمعلومات: بناء قاعدة بيانات إغاثية مركزية وشاملة، تُنهي تشتت المعلومات، وتمنع الازدواجية، وتضمن شفافية الاستحقاق وعدالة توزيع الموارد لمختلف المناطق والفئات.
- آلية وصول فعالة وآمنة: ابتكار آليات لوجستية وتقنية مرنة تتجاوز تحديات الجغرافيا “المتحركة”، والمتهالكة، وتضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بآليات كريمة وآمنة.
- آلية متابعة وتقييم وتعلم: إرساء منظومة رقابية مستقلة (طرف ثالث) تعمل وفق وثيقة مرجعية تتوافق عليها الفواعل الميدانية، تتابع وتدقق مسار المساعدات في المراحل كافة، لضمان النزاهة والعمل في إطار معايير الحد الأدنى للاستجابة الإنسانية، ومنع التجاوزات وتصحيح انحرافات الاستجابة.
هيكل الاستجابة الإنسانية: مشهد ميداني
أولًا: الفواعل الرئيسية الدولية والأمميّة
تتركّز تدخلاتها في الحفاظ على الحدّ الأدنى من مُقوّمات البقاء، وإدارة الكتل القطاعية (مثل الصحة والإيواء)، وتأمين سلاسل الإمداد الإستراتيجية (الدقيق والوقود)، إضافة إلى إدارة مراكز الإيواء الكبرى، والاضطّلاع بمهمات المناصرة الدولية لحماية المدنيين.
تتصدّر هذه الفئة من الفواعل وكالةُ غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مدعومةً بمكاتب الأمم المتحدة المُتخصّصة، وتعمل تحت مظلّة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وتضم: منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوصفها فاعلًا وسيطًا في مناطق النزاع.
ثانيًا: الفواعل الحكومية
هي الأذرع التنفيذية التابعة للسلطة الفلسطينية، والحكومة في غزة، وهي المسؤولة قانونيًا وسياديًا عن إدارة شؤون المواطنين، وتمتلك وتُدير قواعد البيانات الرسمية (السجل المدني، وكشوف التنمية الاجتماعية)، وتُنسِّق الخدمات الوطنية (مثل الصحة والبنية التحتية).
وتشمل الوزارات، وأهمها في قطاع الإغاثة وزارة التنمية الاجتماعية، إضافة إلى غرفة العمليات الحكومية[6]، وهيئات الحكم المحلي.
ثالثًا: الفواعل المحلّية (مُنظّمات المجتمع المدني)
تعمل بشكل مستقل عن الحكومة، وتتّسم بالمرونة في آليات عملها، وتُدار بواسطة مجالس إدارة مستقلة. تُنفّذ التدخلات الميدانيّة التخصّصية، وتمتلك ميزة الوصول السريع إلى الفئات المستهدفة، وتعمل شريكًا تنفيذيًا مع المنظمات الدولية والأمميّة.
تشمل المنظمات الأهلية كالهلال الأحمر الفلسطيني، والإغاثة الطبية، والإغاثة الزراعية، ومركز شؤون المرأة … وغيرها.
رابعًا: الفواعل المُسانِدة (المانحون والمُبادرون)
يتلخّص دور المانحين والمُبادرين في تأمين الدعم المالي واللّوجيستي (كالوقود، ومواد البناء، والإمدادات الطبية)، وإدارة المسارات اللوجستية الدوليّة، وتنظيم احتياجات النازحين داخل المخيمات ومراكز الإيواء.
تبرز فيها اللجان الإغاثية الإقليمية (كاللجنتين المصرية والقطرية)، والمنظمات الدولية غير الحكومية، مثل أوكسفام، والمجلس النرويجي للاجئين، وأطباء بلا حدود.
| الفاعل الإغاثي | نموذج | طبيعة التدخّلات |
| المنظمات الدولية والأممية |
|
|
| المنظمات الحكومية |
|
|
| المؤسسات المحلية |
|
|
| المانحون والمُبادرون |
|
|
| اللّجان المحلّية |
|
|
- المرجعية الأممية والدولية: تستند إلى تفويض الأونروا وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
- المرجعية المعياريّة: تتمثل في “مشروع أسفير”[8]، الذي يُعد المرجع الأساسي الناظم للعمل الإغاثي، والمُحدّد للمعايير الدنيا للاستجابة الإنسانية لضمان جودة التدخلات وحفظ كرامة المستفيدين.
وبينما واصل سائر الفاعلين المحليّين والدوليين العمل[10]، جرى استحداث كيانات مؤسسية رُوّج لها بوصفها فاعلًا إغاثيًا في غزة يعمل بمظلة دولية، مثل “مؤسسة غزة الإنسانية”، التي أثار نمط عملها تساؤلات حقوقية بشأن مدى امتثالها للحدّ الأدنى للاستجابة الإنسانية.
غياب المنظّم الحكومي وتعدّد المرجعيّات
يُمكن إيجاز تداعيات غياب المنظّم الحكومي في ثلاثة مسارات:
أولًا: انحراف مسار المساعدات
وبهذا، لم يعد الخلل مجرد نقصٍ في التدفقات الإغاثية، بل هو عجز في الإرادة الإدارية، والقدرة على حماية الحق الإنساني من التبديد والاستغلال.
ثانيًا: تعدّد مراكز القرار
- محدودية الاستجابة الدولية: على الرغم من التحذيرات من اتساع رقعة انعدام الغذائي[13] لتشمل 1.6 مليون شخص بحلول نيسان/ أبريل 2026، فإنّ انفراد المرجعيات الدولية برسم خطط الاستجابة أثبت عجز هذه القنوات عن تعويض “الدور التنظيمي الميداني” القادر على تحديد الأولويات بدقة.
- فرض مسارات موازية: برزت كيانات إداريّة بديلة (مثل “مؤسسة غزة الإنسانية”) عملت خارج الأطر الميدانية المُنسِّقة؛ ما أدّى إلى نتائج كارثية في مراكز التوزيع التابعة لها، وُصِفت بـ “مصائد موت”[14]، راح ضحيتها مئات المدنيين من الفلسطينيين، قبل إنهاء عملياتها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، نتيجة غياب بروتوكولات الحماية والتأمين الميداني، والرقابة المستقلة.
- تبعثر الجهود الأهلية: على الرغم من تحول المنظمات المحلية والمبادرات الفردية إلى شريان حياة وحيد، فإن افتقارها إلى إطار تنسيقي مركزي جعلها عرضة لضغوط ميدانية وفئوية، أدت إلى هدر الموارد وتكريس المحسوبية في التوزيع.
يُعد قطاع المأوى المثال الأبرز لتبِعات غياب المُنظِّم، إذ تحوّل واقع مخيمات النزوح العشوائية التي تضم 1.5 مليون نازح إلى مسرحٍ لفشل التخطيط وغياب المعايير الناظمة، وتظهر الفجوة على سبيل المثال في وصول أقل من 50,000 خيمة[15] إلى النازحين في كانون الأول/ ديسمبر 2025 (تغطي 18% فقط من احتياج النازحين)، في ظل تهالك 93% من الخيام القائمة.
يُبرهن هذا العجز ضعف الآليات الميدانية الموحدة الفاعلة، الذي جعل الأولويات الميدانية في ملف المساعدات رهينةً لتوجّهات الجهات المانحة (متعددة المرجعيات)، أو لصالح الجهة المتحكمة في الأرض. برز هذا القصور كذلك في ضعف التخطيط الوظيفي المُسبق للأراضي العامة، وفشل مواءمتها لمتطلبات الاستجابة الطارئة؛ ما أوجد إشكاليات عدّة، أعاقت التدخلات الإغاثية، منها:
- عشوائية تخصيص الأراضي للإغاثة، مثل إنشاء المخيمات، ونقاط التوزيع، والمرافق اللوجستية (المخازن)، وافتقارها إلى المعايير الناظمة، كالحد الأدنى من البنى التحتية والخدمات.
- التعدّي على الأراضي الخاصة، عبر نصب الخيام على أراضٍ من دون إذن صاحبها، إضافة إلى نزاعات على الحدود.
- استغلال أصحاب الأراضي للاحتياج الطارئ، مثل حاجة المؤسسات إلى مناطق عمليات ميدانية، وحاجة النازحين العاجلة إلى المأوى، عبر فرض رسوم إيجار باهظة.
- التعدّي على الأراضي الزراعية لصالح مخيمات النزوح العشوائية، ما أدى إلى إلحاق خسائر إضافية بالقطاع الزراعي، وتآكل المساحات المزروعة.
غياب المرجعية المعلوماتية الموحدة وانعكاساته على كفاءة الاستجابة الإنسانية
انهيار المنظومة الرقمية وفقدان الأصول المعلوماتية
اعتمدت إدارة الإغاثة قبل حرب الإبادة على قواعد بيانات مركزية: كشوف وزارة التنمية الاجتماعية والأونروا[17]، إلا أن الحرب أدت إلى انهيار بنيوي تسبّب في تشظٍ معلوماتي، لا سيما مع الاستهداف الممنهج لأكثر من 80% من البنية التحتية والمرافق الحكومية[18]، وقرابة 95% من المؤسسات الأهلية[19]، بما تضمّه من سجلات وخوادم. وتعمقت الأزمة بقرار حظر الأونروا[20]؛ ما دفع بجهات بديلة محلية ودولية إلى الساحة الإغاثية، اعتمدت قواعد بيانات وآليات عمل منفصلة تفتقر إلى التنسيق والربط البيني[21].
ومع أن السياسة المعمول بها في خطة الطوارئ[22]، حاولت الحفاظ على تدفق البيانات عبر تحديث سجلات وزارة التنمية والسجل المدني رقميًا في مراكز النزوح، والتوجّه نحو “بناء شراكة واسعة – تنسيق دائم وفعّال”[23] مع الفواعل المحلية والدولية لإدارة الأزمة، فإن تهالك البنية التحتية وغياب الإلزام التنسيقي حالا دون تحقيق هذه الشراكة، وغيّبا آليات الرقابة الفاعلة.
تضارب المعايير واختلال تحديد الأولويات الإغاثية
أنتج تعدد مراكز التخطيط والقرار مسارات إدارية ومعايير متباينة[24] للاستحقاق، تعمل بمعزل عن الاحتياج الفعلي المرصود محليًا؛ ما حوّل العملَ الإغاثيَّ إلى “جزر معلوماتية وإجرائية مُنعزلة”، وعمّق الفجوة[25] بين الواقع الميداني والمساعدات المُسجّلة، وخلق بيئةً خصبة للازدواجية والمحسوبية، وغيرها من أنماط التمييز التي تحول دون وصول الدعم إلى مُستحقيه[26]. ولتجاوز هذا الخلل، تبرز الحاجة إلى تأسيس سجل إجرائي موحد، يعتمد بروتوكولات تقنية مشتركة ومُلزِمة تُنهي احتكار المعلومة، وتضمن توجيه الموارد بناءً على معايير استحقاق عادلة.
التعتيم المعلوماتي
تحديات منظومة النزاهة
تقتضي معايير النزاهة في إدارة المساعدات ضمان وصولها إلى مستحقيها بعدالة، وخضوعها لرقابة فاعلة وقابلة للتحقّق، استنادًا إلى ثلاث ركائز، وهي:
- الشفافية والإفصاح عبر إعلان واضح لأسس التسجيل والتوزيع، ضمن نظام موحّد لبيانات المستفيدين، يُتيح تتبّع المساعدة من المصدر إلى المتلقّي النهائي.
- العدالة وتحديد الأولويات عبر اعتماد معايير موضوعية لتحديد الفئات الأشد ضعفًا، لضمان الاستجابة وفق الحاجة الفعلية لا النفوذ السياسي أو الاجتماعي.
- المساءلة والرقابة عبر وجود جسم رقابي مستقل، وآليات شكاوى ميسّرة وفاعلة، وسياسة تنسيق عابرة للمؤسسات تُمكّن من متابعة الأداء وتصحيح التجاوزات.
وعلى مدار الحرب، ظهرت أدوات وتقنيات قُدِّمت بوصفها آليات للشفافية، لكن شابتها فجوات عدّة وفق ما هو موضح في الجدول الآتي:
| الأداة/ الآلية | المرجعية الإجرائية | منهجية العمل | نطاق الاستخدام | الفجوات التشغيلية |
| تتبع QR Codes | الأمم المتحدة | تتبع حركة الشحنات رقميًا، من المعابر إلى المستودعات (عن بُعد). | آلية للشفافية وفق قرار مجلس الأمن 2720. | – يقتصر التتبع على “الوصول إلى المخازن” دون “التسليم النهائي”. – غياب بروتوكولات حماية المسارات الداخلية. – انكشاف الشحنات لمخاطر الفقدان أو التوزيع غير المنظم خارج نقاط التفريغ. |
| الرقم (189)[32] | وزارة التنمية الاجتماعية | قناة اتصال مخصصة لاستقبال الملاحظات والبلاغات. | معالجة فجوات الاستحقاق وتلقي شكاوى المستفيدين في غزة. | – محدودية الاستجابة نتيجة انقطاع شبكات الاتصال. – فجوة زمنية بين تلقي الشكوى والقدرة على التصحيح الميداني الفوري. |
| منصات الشكاوى الرقمية | واجهات محادثة نصية وخطوط ساخنة لتحديث البيانات. | تحديث سجلات المستفيدين ومعالجة أخطاء الاستهداف. | – الاعتماد الكلي على استقرار الإنترنت (عائق تقني). – صعوبة التحقق الميداني من الشكاوى في المناطق مرتفعة المخاطر. [34] – غياب الربط البيني بين شكاوى المنظمات المختلفة (جزر معلوماتية). |
على الرغم من المساعي الفلسطينية الرسمية لتفعيل الرقابة ضمن خطة الطوارئ 2024 وفتح قنوات التظلم، فإن الواقع الميداني ما يزال يرصد فجوات ملموسة في معايير النزاهة. لذا، تقترح الورقة نموذجًا سياساتيًا لسد هذه الثغرات. جسم تكنوقراطي مستقل، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري الكامل، يعمل بموجب “ميثاق وطني للخدمة العامة”.
البدائل المقترحة
البديل الأول: تدشين “منظومة غوث غزة”
تهدف المنظومة إلى تحويل التشتت الميداني إلى هيكلية منضبطة تضمن كفاءة الاستهداف ونزاهة الوصول، عبر تفعيل ثلاثة مسارات تكاملية، يشمل كل مسار حزمةً من السياسات والمُتطلّبات، كالتالي:
- مسار حوكمة المعلومات
- اتفاق جامع للفواعل الإغاثية لدمج البيانات وتحديثها، وتوحيد الأرشيفات المشتتة وتحديثها وفق بروتوكولات حماية البيانات[37].
- تجهيز فِرق فنية مُتخصّصة تُجري مسوحًا ميدانية لسدّ الفجوات المعلوماتية التي خلّفتها الحرب.
- التأسيس للسحابة الإغاثية المركزية، ويتطلب هذا ما يأتي:
- متطلّب تقني: نظام تخزين سحابي مركزي بخصائص أمان متقدمة ضد الاختراق أو التلف.
- متطلب تنظيمي: لائحة تُلزم الفواعل بالربط الرقمي الدوري ورفع بياناتها دوريًا على السحابة شرطًا لتوثيق الأنشطة والحصول على التسهيلات.
- متطلب إجرائي: بروتوكول تقني للتشغيل البيني، يُتيح للمؤسسات المختلفة الربط بالسحابة على اختلاف أنظمتها التقنيّة، إضافة إلى دعم فنّي للمؤسسات المحلية لتمكينها من التحوّل الرقمي.
- اعتماد بروتوكول “الكود الموحّد” عبر إلزام الجهات الإغاثية باستخدام رقم تعريفي موحّد للمستفيدين، يكون مرتبطًا بالسحابة الإغاثية المركزية، مع تشفير البيانات الشخصية، لضمان مطابقة الاستحقاق، ومنع الازدواجية، وحماية خصوصية الأفراد.
- مسار التنسيق البيني
- دليل وطني شامل للتدخّل الإنساني، ويستلزم الآتي:
- تطوير معايير تدخّل تستند إلى الأطر الدولية، مع تكييفها إجرائيًا بما يستجيب لخصوصية قطاع غزة، والواقع الميداني والاحتياجات النوعية للمجتمع المحلي.
- بروتوكول إلزامي لجعل الدليل مرجعًا إجرائيًا مُوحَّدًا للفواعل كافة.
- إطار عمل موحّد يكون بمنزلة خطوط عامة للعمل، تتواءم من خلالها أنظمة العمل المختلفة للفواعل، لضمان تدفق البيانات ومنع تضارب التدخلات؛ ما يُؤسّس لتعاون سلس ومستدام يتجاوز عوائق البيروقراطية المؤسّسية.
- إقناع الجهات الإغاثية بفاعلية هذا النظام لضمان انخراطها فيه والتزامها به، ويُمكن تحقيق هذا بطرق عدّة، منها:
- إرساء آلية “المعلومات مقابل التسهيلات” من خلال منح المؤسسات الملتزمة بالربط المعلوماتي، التي تتبع معايير الشفافية والنزاهة، خرائط احتياج مُحدّثة ودقيقة تُساهم في إنجاح التدخلات، وتأمين التحركات اللوجستية لفِرّقها، وإعطائها أولويّة في مسارات التنسيق الميداني، والوصول إلى المناطق المستهدفة.
- تدشين “وحدة المسارات السريعة”، التي ستكون مهمتها تسريع الإجراءات في الأوقات الحرجة، وستُعطى فيها أولوية للمؤسسات الأكثر شفافية والتزامًا بأُطر عمل المنظومة.
- مسار الرقابة والمكاشفة
- نظام تدقيق ميداني عشوائي، ويستلزم:
- تشكيل فرق فنية مستقلّة (حسّاسات ميدانية) تعمل بصفتها جهة محايدة، تُجري تدقيقًا ميدانيًا عشوائيًا، لمطابقة البيانات الرقمية بالواقع الفعلي وأولويات الاحتياج، وتوفير تقارير دورية للمانحين عن مؤشرات الامتثال.
- إنفاذ بروتوكول مُوحّد يُلزم الفواعل الإغاثية المختلفة بآلية مُوحّدة للإفصاح العام المشفّر[38]، بما يوفر قاعدة صلبة للتدقيق من دون الحاجة إلى آليات رقابة موازية.
- تطوير آليّة مركزيّة للاستجابة للتظلّمات، وهذا يتطلّب:
- إطلاق منصّة رقمية مركزيّة، لتلقي بلاغات جمهور المستفيدين عن فجوات التوزيع، تسمح للمانحين بالاطلاع على سرعة الاستجابة وكفاءة المعالجة، ويكون لهذه المنصة وجود ميداني.
- التوافق على مدونة سلوك تُلزم المؤسسات بجدول زمني لتصويب التظلّمات ومعالجتها، تربط استمرارية تراخيصها الميدانية والتسهيلات المقدَّمة لها بمستوى استجابتها ومعالجتها للشكاوى، لضمان أعلى معايير المساءلة أمام المُستفيدين.
المقبولية: عالي القبول والموثوقية لدى جميع فواعل العمل الإغاثي، فهو يمنح المنظمات الدولية “غطاءً إجرائيًا وقانونيًا” يحميها من اتهامات التفرّد أو ضعف الشفافية، ويؤمّن للمؤسسات المحلية عدالة في الوصول إلى البيانات والفرص، ويوفر للمانحين ضمانات رقابية لحظية لتبديد هدر الموارد؛ ما يحوّل العلاقة بين مختلف الفواعل من “التوجّس” إلى “التكامل المؤسسي” المستند إلى نتائج ملموسة.
المعقولية: واقعي وقابل للتنفيذ الفوري؛ لاعتماده تقنيات مرنة (تشفير سيادي، سحابة مستقلة، مسارات طارئة) تتجاوز عوائق البنية التحتية وحساسية البيانات.
ويضمن هذا البديل تدفقًا معلوماتيًا مستدامًا وعابرًا للأزمات يتوافق مع معايير الحماية الدولية. ويعتمد “مسارات طارئة” تسمح باستدامة التدخّلات تحت الضغط؛ ما يجعله الخيار الأكثر واقعية في بيئة غزة الاستثنائية.
الربح والخسارة: يحقق البديل وفرة إستراتيجية في الموارد عبر إنهاء هدر المساعدات الناتج من الازدواجية، ويرفع كفاءة التدخّل عبر توجيه الموارد إلى مستحقيها الفعليين، مقابل “كُلفة تقنيّة” متمثّلة في التأسيس وفترة قصيرة للمواءمة الإجرائية. أما “الخسارة” فهي خسارة سياسية لمن يُعارضون المنظومة من مراكز القوى غير الرسمية “تُجّار الأزمات” الذين يقتاتون على عشوائية البيانات وغياب الرقابة؛ ما يجعل تحييدهم ربحًا صافيًا لشفافية النظام.
الرأي العام: يمثل هذا البديل استجابةً لمطلب شعبي ملحّ، وهو العدالة في التوزيع، فالمنظومة تُعيد بناء الثقة المفقودة بين المستفيدين والجهات الإغاثية. وبدلًا من شعور المواطن بالتهميش، يصبح شريكًا في الرقابة عبر “الآلية المركزية للاستجابة”؛ ما يخلق حاضنة شعبية تحمي المنظومة.
ويكتسب البديل شرعيته من “كفاءة الخدمة”؛ ما يجعله الخيار الأكثر استدامة في نظر الفواعل المستفيدين كافة، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
البديل الثاني: ابتكار وتطوير آليات وصول آمنة تحفظ الكرامة الإنسانية
يعتمد المقترح على تجاوز الشلل البنيوي، عبر سياسات تُفعّل الحوكمة المحلية، وحلول تقنية هجينة تتجاوز الانهيار في قطاعي الاتصالات والمواصلات، على النحو الآتي:
- إعادة هيكلة منظومة النقل والإمداد
- إنشاء نقاط تفريغ وسيطة، عبر تجهيز ساحات مؤقتة على أطراف المناطق المتضررة لتفريغ الشاحنات الكبيرة، وإعادة نقل المساعدات عبر وسائط أصغر إلى عمق الأحياء لتجاوز تهالك البنى التحتية.
- اعتماد وسائل النقل الصغيرة وفتح ممرات طوارئ، من خلال الاعتماد على المركبات الخفيفة والدراجات والعربات لتوصيل المساعدات، وفتح ممرّات إلى تجمعات النازحين بجهود شعبية “متطوعين”، لتسهيل حركة المرور داخل الأحياء المدمرة.
- إعادة الانتشار الجغرافي لمراكز التوزيع وتأمين مسارات المساعدات
- نموذج “النقاط العنقودية” عبر استبدال المراكز الكبرى بنقاط توزيع عنقودية (صغيرة ومنتشرة جغرافيًا)، وفق خرائط الكثافة السكانية الحالية، لتفادي الازدحام، وتقليل مسافات التنقل، وحماية الفئات الهشة.
- التحديث الديناميكي للخرائط من خلال اعتماد نظام دوري لتحديث بيانات “الجغرافيا المتحركة” لواقع النزوح؛ من أجل ضمان دقة التموضع الجغرافي للنقاط.
- الحماية المدنية المنظمة عبر تكليف قوّة حماية مدنيّة بمهمات “الضبط الإجرائي” داخل مراكز التوزيع، لضمان انسيابية العمل ومنع التجاوزات، ضمن إطار قانوني واضح يحدد الصلاحيات ويمنع التجاوزات الميدانية.
- مأسسة الرقابة المجتمعية وتفويض القوى المحلية لضمان العدالة الميدانية
- شبكة لجان مجتمعيّة من خلال تشكيل لجان للأحياء ومخيّمات النزوح (تكنوقراط، وجهاء، ناشطون)، تتولى الحصر الميداني والرقابة على التسليم، لقطع الطريق على المحسوبية وضمان عدالة الاستحقاق، على أن تخضع لرقابة دورية من “فرق التدقيق العشوائي” بالمنظومة.
- التفويض المشروط بالامتثال عبر منح اللّجان المجتمعية تفويضًا بالعمل، بالاستناد إلى مرجعيّات معلوماتية (خرائط ونماذج حصر)، مقابل التوقيع على “مدونة سلوك” مُلزِمة، تربط استمرار التفويض بمدى الالتزام بمعايير النزاهة المتبعة.
- تأهيل وتدريب الكوادر المجتمعية باعتبارهم وسطاء رقابيّين بين المنظومة الإغاثية والمجتمع، بعد خضوعهم لبرامج تدريبية تخصصية عن معايير الحماية والنزاهة الدولية، والأدوات الرقمية المستخدمة في التوثيق والمتابعة، ومهارات إدارة الحشود والنزاعات.
- إنفاذ منظومة مساءلة رقمية تعتمد التوثيق الهجين
- ستهدف هذه السياسة تأمين البيانات ومنع التلاعب في ظل انهيار الشبكات، وضمان استمرارية التوثيق الرقمي والرقابة اللحظية حتى في حالة الانقطاع الكلي للاتصالات، بالاعتماد على تقنيات السجلّ الموزع (Blockchain)[39]، ويتطلّب هذا استيفاء المتطلبات الآتية:
- التوثيق المزدوج عبر استخدام أجهزة لوحية تعمل ببرمجيات التوثيق المستقل عن الشبكة[40]؛ لدمج “التوقيع الحي” بالمسح الرقمي، من أجل ضمان تسجيل الاستحقاق من دون الحاجة إلى اتصال دائم، ورفع ذلك آليًا على السجلّ الموزّع فور توافر الاتصال لمنع التلاعب، وضمان تدفق التوزيع.
- تطبيقات تفاعلية للمستفيدين من خلال استثمار وتعميم التجارب الناجحة للمؤسسات التي تعتمد تطبيقات تفاعلية للمستفيدين، وتطويرها واعتمادها، وهي تطبيقات تعمل دون الحاجة إلى اتصال دائم بالإنترنت، وتُخصِّص لكل مواطن ملفًا شخصيًا يُتيح له متابعة كل ما يتعلّق بحصصه من المساعدات، وتحديث بياناته، والاعتراض الفوري عبر الآلية المركزية للتظلّمات.
- بروتوكول الإفصاح المشفّر من خلال إلزام الفواعل الإغاثية بنشر “لوحات إفصاح” يومية (بالكود المشفّر) توضح حصص التوزيع؛ لإتاحة الرقابة المجتمعيّة وأدوات التحقق للمانحين.
- وحدات تظلم ميدانية عبر تدشين نقاط استجابة سريعة في مواقع التوزيع، تمنح المستفيدين القدرة على الاعتراض الفوري، وربطها إجرائيًا بالآلية المركزية لمعالجة التظلمات.
المقبولية: يتمتع هذا البديل بـ “قبول ميداني وحقوقي واسع“؛ كونه يرتكز على صون الكرامة الإنسانية، وتقليل المخاطر الأمنية على المستفيدين وطواقم الإغاثة. فهو يمنح المنظمات الدولية حلولًا لوجستية وأمنية ملموسة لتجاوز شلل الوصول، ويطمئن طواقمها بأنها لن تكون في مواجهة مباشرة مع حشود غاضبة بفضل “النقاط العنقودية”. ويُشرك المجتمع المحلي باعتباره “شريكًا رقابيًا” وليس مجرد متلقٍ للمساعدات، وسيثق الناس في النظام لاستبداله المزاجية بسجلات رقميّة (تعتمد تقنية بلوكتشين)، فلا يمكن لأي مسؤول محلي التلاعب بها. وهذا ذاته يجعل البديل موثوقًا لدى المانحين؛ ما يبدد المخاوف من تسرّب المعونات أو تسييسها.
المعقولية: تنبع واقعية هذا المقترح من كونه “ابن الأزمة”، فهو لا يفترض وجود طرق معبدة أو إنترنت مستقر، بل يتكيف مع “أسوأ السيناريوهات”. ففكرة النقاط العنقودية، والربط التقني من دون اتصال بالشبكة، واستخدام الدراجات الهوائية ووسائط النقل الصغيرة للدخول بين الأنقاض، كلها حلول ذكية تتجاوز الشلل الحالي. القدرة على التنفيذ هنا عالية جدًا لأنها لا تنتظر إصلاح البنية التحتية، بل تعتمد على “الموجود” من طاقات بشرية وموارد محلية بسيطة؛ ما يجعله البديل الأكثر قابلية للتطبيق “من الغد”.
الربح والخسارة: الربح الأكبر في هذا البديل هو “حقن الدماء” وحفظ كرامة الناس، وهو ربح يفوق أي كلفة مادية. إستراتيجيًا، الربح هو منظومة إغاثية “محصنة” تقنيًا وميدانيًا ضد الفساد والهدر. التكلفة الوحيدة هي “جهد المواءمة” وتدريب الكوادر المحلية، وهي كلفة استثمارية بسيطة مقارنة بحجم الهدر الذي سيوقفه النظام. أما الخاسر الوحيد فهم “سماسرة الحروب” والجهات التي تعتاش على غياب النظام، فالبديل يغلق عليهم كل ثغرات الاستغلال، وهذا بحد ذاته مكسب وطني وحقوقي.
الرأي العام: شعبيًا، يلمس البديل “الوجع اليومي” للمواطنين، فالناس في غزة اليوم يبحثون عن العدالة والأمان ولقمة العيش. فإنهاء طوابير الانتظار المهينة وتوفير نقاط توزيع قريبة من الأحياء سيخلقان حالة من الارتياح والالتفاف الشعبي حول هذه المنظومة. وسيتحول الرأي العام من “متلقٍ ساخط” إلى “حارس للمنظومة”، خاصة عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع عبر وحدات التظلم الميدانية، وأن حصّته مؤمّنة بنظامٍ رقميّ محمي ومُنصِف.
خاتمة
- البدء فورًا بتفعيل “مسار حوكمة البيانات” ضمن البديل الأول، لإرساء المرجعية المعلوماتية الموحدة وضبط الاستحقاق رقميًا، بالتوازي مع إنفاذ تدريجي لآليات الوصول الآمن التي يشملها البديل الثاني، لضبط الميدان وتأمين تدفق الإمدادات.
- تفعيل فِرق التحقّق والرقابة الميدانية فورًا، لمطابقة بيانات التوزيع وأولويات الاحتياج بالواقع الفعلي، وكبح جماح “اقتصاد الفوضى” عبر ملاحقة شبهات التلاعب في سوق المساعدات.
- اعتبار تأسيس “السحابة المركزية المستقلة” أولويّة قصوى لحماية وتأمين الأرشيف الإغاثي، وضمان بقاء المرجعية المعلوماتية ملكًا للمجتمع المحلي.
- أينما تأخّر استصدار التشريعات، تُوصي الورقة بتبنّي مواثيق الشرف الإجرائية ومدونات السلوك، باعتبارها إطارًا تعاقديًا يضمن التنسيق والنزاهة بين فواعل الإغاثة.
