حين تتصاعد رياح التطرف في الإقليم، وتتعاظم أحلام اليمين الإسرائيلي في فرض وقائع بالقوة، وتتمدّد النيران في خرائط الجوار، يعتقد بعضهم أن الانكفاء هو الملاذ الآمن، غير أن منطق الدولة الراسخة يقوم على معادلة واضحة تجمع بين حماية الوطن وبنائه كمسارين متوازيين لا يتوقفان تحت ضغط التهديد، فكلما اشتدت التحديات ازداد تمسكنا بخيار الإصلاح والتحديث، واعتماد أسلوب الحوار الناضج البناء حول كل القضايا الوطنية باعتباره التعبير العملي عن ثقة الدولة بذاتها وبأبنائها وإيمانها بقدرتها على صناعة المستقبل.
إن صعود التيارات الإسرائيلية الأكثر تشددا، بما تحمله من نزعة توسعية وعدم احترام لسيادة الدول وإنكار لحقوق الشعب الفلسطيني، يضع المنطقة أمام اختبار أخلاقي وسياسي عميق، ومع ذلك، فإن الرد لا يكون بالانجرار إلى منطق الفوضى، بل بتعزيز منعة الداخل، وترسيخ مؤسسات قوية، وبالاقتصاد المنتج، والنظام السياسي المتجدد الذي يبني خبرة تراكمية في الحياة السياسية والديمقراطية والدولة المدنية من خلال توسيع المشاركة وتعميق الثقة بين الدولة والمجتمع، فالدولة التي تحصن جبهتها الداخلية تملك قدرة أكبر على إدارة التحديات الخارجية بثبات واتزان.
ومن هذا المنطلق ورغم كل التحديات ينبغي علينا جميعا وكل من موقعه الإيمان المطلق بضرورة تكاتف الجهود الوطنية للمضي قدما وبثقة في تنفيذ مسارات التحديث الثلاثة، السياسي والاقتصادي والإداري، حيث يمكننا عبر التحديث السياسي إعادة بناء المجال العام على أسس المشاركة الفاعلة، وتمكين الأحزاب، وتعزيز دور البرلمان، وتكريس ثقافة المساءلة وسيادة القانون، ليكون في النهاية بمثابة استثمار في الاستقرار طويل الأمد، يرسخ شعورا عاما بالشراكة في القرار ويحول التنوع إلى مصدر قوة.
ولأن الاقتصاد القادر على الصمود والتطور يعد شرطا أساسيا للأمن الوطني، فقد جاءت رؤية التحديث الاقتصادي بهدف تعزيز منعة الاقتصاد الوطني عبر الاستغلال الأمثل للموارد والفرص، وتنويع القاعدة الإنتاجية، ودعم الاستثمار، وتمكين الشباب، وتحفيز الابتكار، على أن يتم توظيف كل هذه الأدوات لحماية المجتمع من تداعيات الأزمات الإقليمية، وتحويل التحديات إلى مساحات للنمو، خاصة وأن الاقتصاد القوي يثبت أن البناء ممكن حتى في أصعب الظروف، وأن الإرادة الوطنية قادرة على تحويل المخاطر إلى دوافع للتقدم.
ويأتي التطوير والتحديث الإداري ليمنح هذه الرؤية أدواتها التنفيذية، وصولا إلى إدارة عامة كفؤة، شفافة، سريعة الاستجابة، والتي تعني في مجملها دولة تحترم وقت مواطنيها وحقوقهم، وتختصر المسافة بين القرار والإنجاز، بما يجعل الإصلاح الإداري يعكس الوجه اليومي لهيبة الدولة، ويشكل الضمانة بأن تبقى مؤسساتها قادرة على التعامل مع المتغيرات بكفاءة ومسؤولية.
وفي خضم هذه التحديات، نؤكد ثبات مواقفنا تجاه قضايا أمتنا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، حيث سنبقى محافظين على ثوابتنا في دعم حق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، في إطار حل الدولتين، بوصفه الصيغة السياسية والقانونية القادرة على إنهاء الصراع، انطلاقا من إيمان الأردن التاريخي بأن السلام العادل والشامل هو المسار الوحيد الكفيل بتحقيق الاستقرار في المنطقة، وهو الخيار الذي ينسجم مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة العنف والانسداد.
إن حماية وطننا لا تنفصل عن الدفاع عن عدالة القضايا التي نؤمن بها، فالموقف الأخلاقي يعزز الموقف السياسي، والالتزام بالسلام العادل ومحاربة كل أوجه التطرف حيثما كانت يعكس ثقة الدولة بنفسها وبقدرتها على الجمع بين الصلابة في حماية مصالحها والوضوح في دعم الحقوق المشروعة للشعوب، وبذلك تتكامل معادلة الأمن والبناء، ويتحول الإصلاح إلى رسالة قوة في وجه كل من يراهن على إنهاكنا أو دفعنا إلى زوايا ضيقة.
في المحصلة، إن استمرار مسيرة التحديث والتطوير والبناء وفي الوقت نفسه الثبات في مواقفنا الوطنية وتلك المتعلقة بالقضايا القومية والدولية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تعطي رسالة واضحة للجميع في الداخل والخارج أننا لسنا أسرى جغرافيا مضطربة، ولا رهائن حسابات الآخرين، وإنما نحن دولة تعرف ثوابتها وتدرك مصالحها، وتعي أن أفضل رد على أحلام الهيمنة هو المضي قدما في ترسيخ مشروعنا الوطني المتماسك، وسنمضي في حماية بلدنا وبنائه، وتحصين وحدتنا، وتعزيز مؤسساتنا، لنجعل من كل تحد فرصة لإثبات أن إرادة الإصلاح أقوى من ضجيج التطرف، وأن السلام العادل هو الطريق الأقوم نحو استقرار يليق بشعوب هذه المنطقة.
