عروبة الإخباري –
في وطنٍ تتراكم فيه الخيبات كما تتراكم الفواتير، في بلدٍ صار فيه المواطن يحصي أنفاسه كما يحصي أقساطه، تأتي كتابة فلك مصطفى الرافعي كضرورة وطنية. حين تكتب الدكتورة فلك على وجع المواطن اللبناني، لا تتناول الألم كعنوانٍ عابر، ولا تستثمره كشعارٍ إنشائي، فلك هي نفسها، تدخل إلى قلب الوجع، تُصغي إليه، تفكّكه، تُحاوره، ثم تُعيد صياغته بلغةٍ تداوي بقدر ما تفضح، وتواسي بقدر ما تُدين، وقلمها لا يصرخ، لكنه لا يهمس؛ إنه يقول الحقيقة بنبرةٍ تعرف متى تكون حادّة كالسكين، ومتى تكون رقيقة كاليد التي تربّت على كتف المتعبين.
وجع المواطن عندها ليس رقمًا في نشرة أخبار، ولا فقرة في تقرير اقتصادي. هو أمٌ تقف أمام رفوفٍ خالية، وأبٌ يختنق بين كرامته وحاجته، وشابٌّ يتأرجح بين حلم الهجرة وحلم البقاء. تلتقط هذه التفاصيل الصغيرة اليومية وتحوّلها إلى صورةٍ كبرى تعكس مأساة وطن بأكمله — ولكن من دون يأسٍ قاتم، ومن دون استسلامٍ للظلام.
في نصّها “عالحكي… TVA”، لم تكن السخرية مجرّد لعبة لغوية؛ كانت فعل تضامن مع كل من أثقلته الضرائب وأتعبته الوعود. جعلتنا نضحك، نعم، لكن ضحكةً تعرف سببها… ضحكةً تشبه تلك التي يطلقها اللبناني حين يبلغ التعب حدَّه الأقصى، فيحوّل المرارة إلى نكتة، والخيبة إلى تعليق ساخر، كي يبقى واقفًا. هنا تكمن فرادة فلك: هي لا تسخر من المواطن، بل معه. لا تكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب الشارع. كلماتها مشبعة برائحة الأزقة الطرابلسية، بنبض الأسواق، بوجوه الناس التي تعرفها وتحبّها، ولذلك تأتي كتابتها صادقة؛ لأن الألم فيها ليس فكرة نظرية، بل تجربة معاشة وإحساسًا مشتركًا.
عندما تكتب عن الضريبة، لا تتحدث عن رقمٍ مجرّد، بل عن اقتطاعٍ من كرامة الناس. وعندما تقترح “ضريبة على الحكي”، فإنها لا تطالب بجباية جديدة، بل بمحاسبةٍ أخلاقية. كأنها تقول: إن كان المواطن يُحاسَب على كل ليرة، فليُحاسَب الخطاب على كل وعد. إن كان الجيب يُفتَّش، فليُفتَّش الضمير أيضًا.
كتابتها على وجع اللبناني ليست بكائية، بل كرامية. لا تستجدي الشفقة، بل تستنهض الوعي. لا تُغرق القارئ في سوداوية، بل تفتح نافذة أمل — أملٌ نابع من الإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على إعادة ترتيب الفوضى، ولو في العقول أولًا.
وعندما تدمج السخرية بالواقع السياسي اللبناني، نجد اقتراحاتها المبتكرة التي تفيض ذكاءً ووطنيّة:
ضريبة على “التكرار الانتخابي” (TVA التكراري): كل تكرار لوعد قديم مثل “سنحارب الفساد”، يُفرض TVA 50% إضافي، وبعد خمس تكرارات يُجمّد الوعد.
ضريبة “الصمت المفروض”: مكافأة لكل مرشح يسكت 48 ساعة قبل الانتخابات – نشجع “الكلام النوعي”.
ضريبة “اللوائح العائلية المتعددة”: 200% على كل اسم إضافي من عائلة واحدة في لوائح مختلفة.
TVA على “ذر الرماد في العيون”: 300% على كل صورة تحتوي طفلاً بعلم + كلبة مبتسمة + قبلة رأس عجوز.
ضريبة “الوعد الموسمي”: وعود تظهر فقط في الانتخابات تُعامل كبضاعة موسمية مع غرامة تأخير إذا لم تُنفذ.
TVA على المؤتمرات الطويلة: بعد 10 دقائق يُغلق الميكروفون تلقائيًا.
ضريبة “الصفحات الوهمية”: TVA يومية على الصفحات التي تنشر لوائح وهمية حسب عدد اللايكات والشيرات.
هذه الاقتراحات ليست مجرد أفكار مالية؛ إنها انعكاس ساخر وحاد لواقع يثقل المواطنين، وتحويل العجز الحكومي إلى مساحة للتفكير النقدي والضحك الواعي. فهي تذكّرنا بأن الضرائب ليست فقط على ما يُمس الجيب، بل يمكن – ولو رمزيًا – أن تُفرض على ما يُمس العقل والضمير.
لبنان لا يُشفى بالصمت، ولا بالضجيج الفارغ، بل بالكلمة المسؤولة. هي ابنة مدرسة فكرية عريقة، لكنها ليست أسيرة الماضي. تحمل الإرث، نعم، لكنها تُجدّده. تعرف أن المواطن اللبناني اليوم لا يحتاج إلى خطابة عالية بقدر ما يحتاج إلى صدقٍ بسيط، إلى لغةٍ تشبهه وتفهم تعبه. ولهذا تأتي عباراتها قريبة من القلب، واضحة، ذكية، لا تتكلّف البلاغة لكنها تبلغها.
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، يبرز صوتها مميزًا لأنه لا يزايد، ولا يتاجر بالوجع، ولا يستثمر الغضب. بل يوجّه الألم نحو التفكير، والغضب نحو السؤال، والسؤال نحو الوعي. فحين تكتب فلك، تضع يدها على جرح الوطن، لكنها لا تتركه مفتوحًا. تُطهّره بالسخرية، وتُضمده بالأمل، وتقول لنا بين السطور: لبنان لا يُشفى بالصمت، ولا بالضجيج الفارغ، بل بالكلمة المسؤولة.
هي تكتب لأن المواطن يستحق أن يُسمَع. تكتب لأن الوجع إن لم يتحوّل إلى وعي، يتحوّل إلى يأس. تكتب لأن الضحكة أحيانًا آخر خطوط الدفاع عن الكرامة. قلّما يجتمع في قلمٍ واحد هذا القدر من الرهافة والجرأة، من الحنان والحدّة، من الحبّ والنقد. لذلك، حين تكتب فلك على وجع المواطن اللبناني، لا نقرأ مقالًا فحسب؛ نقرأ موقفًا، نقرأ التزامًا، نقرأ ضميرًا حيًّا يرفض أن يعتاد الألم أو يتصالح مع العبث. وهكذا تبقى الكلمة عندها أكثر من حروف: تبقى شهادة حبٍّ لوطنٍ متعب، ووعدًا بأن الأمل، مهما ضاق الأفق، لا يزال ممكنًا… ما دام في لبنان قلمٌ يكتب بصدق.
