عروبة الإخباري –
الدستور رنا حداد –
لا يقتصر الاستعداد على الجوانب الروحية فحسب، بل تبدأ حركة دؤوبة في البيوت والأسواق والورش الصغيرة قبيل الشهر الفضيل وخلاله. فبالاضافة إلى كونه موسم عبادة واجتماعات عائلية، هو نافذة رزق حقيقية لكثير من الأسر والمشروعات المنزلية التي تنتظر هذا الوقت من العام لتزدهر. هنا يتشكل مشهد اقتصادي اجتماعي خاص يمكن وصفه بــــ «الرزق الرمضاني» .
في الأردن، تحظى فكرة «الأكل البيتي» بثقة كبيرة، خاصة في رمضان، حيث تكثر العزائم ويزداد الحرص على تقديم أطباق طازجة بطعم يشبه طعم الأمهات والجدات. كثير من السيدات بدأن مشاريعهن من مطابخ منازلهن، معتمدات على صفحات التواصل الاجتماعي وتوصيل الطلبات للمنازل.
تبدأ التحضيرات عادة قبل رمضان بأسابيع، إذ تعلن صاحبات المشاريع عن استقبال طلبات المجمّدات: سمبوسك محشية بالجبن أو اللحم، كبة جاهزة للقلي، ورق دوالي، مسخّن رول..ألخ . هذه الأصناف تتيح للمرأة العاملة تحديدًا أن تختصر الوقت والجهد، فتجد وجبة شبه جاهزة تنتظرها بعد يوم صيام طويل.
أما مع دخول الشهر، فيتضاعف الضغط. الأسبوع الأول يشهد إقبالًا جيدًا، لكن الذروة تكون غالبًا في الأسبوعين الثاني والثالث، حيث تكثر الدعوات العائلية تحت عنوان صلة الرحم.
بعض المشاريع توسّعت لتقدم تحضير «عزومة»متكاملة تصلك في الوقت المناسب من خلال خدمة التوصيل.
كثير من صاحبات هذه المشاريع يؤكدن أن رمضان يحقق لهن دخلًا قد يوازي دخل ثلاثة أو أربعة أشهر عادية، رغم الإرهاق الشديد. بعضهن يعملن حتى ساعات متأخرة من الليل لإتمام الطلبيات، مستعينات بأفراد الأسرة في التغليف أو التوصيل، وحتى تشغيل ايدي عاملة أخرى للرد على الطلبات في وقتها.
اللافت أن هذه المشاريع تبدأ الترويج قبل رمضان بأيام، وتعرض «عروض افتتاح الموسم»، فيما تتحول في النصف الثاني من الشهر إلى استقبال طلبات كعك العيد والمعمول. وهنا يتداخل موسمان في آن واحد، ما يضاعف ساعات العمل، لكنه أيضًا يضاعف العائد الذي يراد به بالدرجة الأولى دعم اقتصاد الأسر والأفراد.
الأشغال اليدوية روح الزينة الرمضانية
إلى جانب الطعام، تزدهر في الأردن مشاريع الأشغال اليدوية المرتبطة بديكور رمضان. الفوانيس الخشبية المضيئة، لوحات الخط العربي بعبارات «رمضان كريم» و»أهلاً رمضان»، مفارش الخيام، الوسائد المطرزة، والصواني المزخرفة بالديكوباج، والمكرميات، اضافة الى منسوجات وأدوات يمكن جعلها شخصية من خلال طباعة أسماء أشخاص ومدن عليها، كلها منتجات تشهد طلبًا متزايدًا مع دخول الشهر الفضيل.
في وسط البلد بعمّان، وتحديدًا في الأسواق الشعبية، يبرز حضور الفوانيس بأشكال وأحجام مختلفة، بينما تطورت المشاريع المنزلية لتستخدم ماكينات الليزر في قصّ الخشب والأكريليك، ما أتاح تصميم أشكال عصرية تناسب البيوت الحديثة.
كما انتشرت فكرة الركن الرمضاني داخل المنزل، حيث تخصص العائلة زاوية توضع فيها فانوس كبير، سجادة صلاة، ومجسمات هلال ونجوم مضيئة. هذا التوجه عزز الطلب على المنتجات اليدوية، خاصة تلك المصنوعة محليًا بلمسة أردنية واضحة.
بعض الحرفيات يبدأن العمل من شهر رجب، خاصة إذا كانت لديهن طلبيات جملة من محال هدايا أو شركات ترغب في تقديم هدايا رمضانية لموظفيها. ورغم ارتفاع أسعار المواد الخام كالخشب والأقمشة، إلا أن الإصرار على الاستمرار ينبع من قناعة بأن هذا الموسم هو الأهم خلال العام.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت في الأردن ثقافة «البوكس الرمضاني» كهدية أنيقة تحمل طابعًا شخصيًا. هذه الصناديق قد تحتوي على مسبحة، مصحف صغير، تمر فاخر، شوكولاتة، شمعة معطرة، وفانوس صغير. شركات صغيرة وأفراد الغالبية العظمى منهم من فئة الشباب المبدع، يعملون أونلاين وجدوا في هذه الفكرة فرصة ذهبية.
الطلب يكون مكثفًا قبل بداية الشهر بأسبوعين تقريبًا، خاصة من الشركات التي تجهز هدايا لموظفيها أو لعملائها المميزين. وبعد اليومين الأولين من رمضان، يبدأ التحول تدريجيًا نحو تجهيز هدايا العيد.
تحديات لا تلغي البركة
رغم الصورة المشرقة، يواجه أصحاب هذه المشاريع تحديات حقيقية، أبرزها ارتفاع تكاليف المواد الخام، وزيادة أجور التوصيل، والمنافسة الكبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن القدرة الشرائية لبعض العائلات تراجعت، ما يدفع أصحاب المشاريع إلى تقديم عروض وخصومات للحفاظ على الزبائن.
ومع ذلك، يتفق معظمهم على أن رمضان يبقى الموسم الذهبي. ليس فقط بسبب الأرباح، بل أيضًا بسبب الشعور بالمشاركة في أجواء الشهر، وتلقي دعوات الخير من الزبائن، وبناء علاقات إنسانية تتجاوز حدود البيع والشراء.
ما يحدث في الأردن خلال رمضان يعكس قوة الاقتصاد المنزلي والمشروعات الصغيرة. آلاف السيدات والشباب يعتمدون على هذا الموسم لدعم دخل الأسرة، سداد التزامات، أو ادخار مبلغ يساعدهم بقية العام.
بين رائحة السمبوسك المقلي قبل أذان المغرب، وصوت ماكينة قصّ الخشب في ورشة صغيرة، وعلب الهدايا المصفوفة استعدادًا للتوصيل، تتجلى حكايات تعب وأمل. رمضان هنا ليس فقط شهر صيام، بل موسم عمل دؤوب يفتح أبواب رزق واسعة.
في النهاية، يبقى «الرزق الرمضاني» في الأردن أكثر من مجرد زيادة في المبيعات. هو قصة كفاح موسمية، تتجدد كل عام مع رؤية الهلال، وتؤكد أن البركة قد تسكن مشروعًا صغيرًا في مطبخ بيت، أو في ركن ورشة متواضعة، لكنها قادرة على أن تصنع فارقًا حقيقيًا في حياة أصحابها ممن أختاروا العيش الكريم بواسطة الطموح والإبداع.
