ليس من قبيل المبالغة أن يُوصف الإعلام بأنه السلطة الرابعة؛ فهو العين التي تراقب، والصوت الذي ينقل، والجسر الذي يربط بين الحدث والجمهور. ومن دون الإعلامي، تبقى الوقائع حبيسة الغرف المغلقة، وتغيب الحقيقة خلف الأبواب الموصدة. فوجوده ليس ترفًا، بل ضرورة مجتمعية لا تستقيم الحياة العامة من دونها.
ومع ذلك، نجد الإعلاميين في كثير من الأحيان في مرمى الاستهداف. لماذا؟
لأنهم يقتربون من مناطق حساسة، ويضعون الضوء على ملفات قد لا يرغب البعض في كشفها. نقل الخبر ليس عملية ميكانيكية؛ إنه ممارسة تحمل في طياتها مسؤولية المساءلة، ومساءلة النفوذ تثير بطبيعتها ردود فعل. كلما اقترب الإعلامي من الحقيقة، اقترب في المقابل من دوائر الضغط.
كما أن حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي تجعل الإعلامي هدفًا سهلًا للاتهام. في بيئة منقسمة، يُنظر إلى الحياد بعين الشك، وتُفسَّر المهنية أحيانًا على أنها انحياز مستتر. وهكذا يجد الصحفي نفسه بين مطرقة السلطة وسندان الجمهور، مطالبًا بالثبات في مساحة ضيقة بين المهنية والسلامة.
أما الواقع الاقتصادي للإعلاميين، فحدث ولا حرج. تدني الرواتب، غياب الاستقرار الوظيفي، عقود مؤقتة، وضغوط تحريرية قد تفرض سقوفًا غير معلنة. هذا الواقع يضع بعضهم أمام خيارات صعبة: إما الصمود في ظروف قاسية، أو البحث عن مظلة حماية قد تأتي على حساب الاستقلالية. وهنا تتسلل ظاهرة الاصطفاف طلبًا للأمان أو الامتياز، فتتأثر الثقة بين الإعلام والجمهور.
غير أن المشكلة لا تختزل في الأفراد بقدر ما تكمن في المنظومة. ملكية وسائل الإعلام، مصادر تمويلها، الإطار القانوني الناظم لعملها، ومستوى وعي الجمهور — جميعها عناصر تحدد هامش الحرية ومساحة المهنية. حين تكون المؤسسة مستقلة وتمويلها شفافًا، يصبح الإعلامي أقدر على أداء رسالته دون خوف أو ارتهان.
الإعلاميون في الصدارة لأنهم يحملون عبء الكلمة، والكلمة قوة. ومن يحمل القوة يتحمل تبعاتها. لكن حماية الإعلام ليست حماية لأشخاص بقدر ما هي حماية لحق المجتمع في المعرفة. فحين يُستهدف الإعلامي، لا يُستهدف فردٌ بعينه، بل تُستهدف الحقيقة نفسها.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد إعلامًا تابعًا يُرضي الجميع، أم إعلامًا حرًا قد يزعج البعض لكنه يحفظ حقنا جميعًا في أن نعرف؟
