عروبة الإخباري –
المدن – كتبت بسمة الخطيب –
مما لا شك فيه أن بسمة الخطيب لا تكتب بالحبر فقط، بل تكتب بخيوط من ضوء، فكلماتها تشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفة مثقلة بالهموم، فيدخل منها هواء نقيّ وضحكات بعيدة ودفء يشبه دفء البيوت القديمة. هي لا تنقل الخبر بقدر ما تعيد إلينا إحساسنا بالحياة خلف الخبر.
في زمنٍ تزدحم فيه العناوين بالسياسة الثقيلة والضجيج المُتعب، تأتي كتاباتها كاستراحة قلب؛ تنثر الفرح على السطور كما يُنثر الأرز في الأعراس، وتزرع بين الجمل مساحاتٍ من أمل. تقرأ لها فتشعر أن العالم، رغم كل شيء، ما زال يتّسع للرقص، وللبراءة، ولحكايات الناس البسطاء.
هي تذكّرنا أن الفرح ليس ترفًا، بل ضرورة، وأن للكلمات قدرة على أن تربّت على أرواحنا. ومع كل نصّ لها، نبتعد—ولو قليلًا—عن صخب الأخبار المقيتة، ونقترب أكثر من إنسانيتنا، ادناه ما كتبت الاعلامية والكاتبة بسمة الخطيب.
حين عزمت على الكتابة عن “الدبكة”، خشيت ألا أستطيع الإفلات من الكليشيهات الوطنيّة ونوستالجيا الفولكلور، ومن تحيّزي الكبير لفرقة بلدتي- برجا- التي تنافس في برنامج مسابقات تلفزيوني ترفيهيّ.. وخشيت أن يصعب عليّ التعبير عن حالة الفرح العارمة التي تنتشر بين أهلي وفي ساحة البلدة، كلما دبَكَت فرقتنا واقترَبَت نحو التتويج، كما كان من الصعب عليّ خلال مراحل طفولتي ويفاعتي أن أتعلّم قواعد الدبكة، حتّى البسيطة منها: خطوة، اثنتان، ثمّ خبطة قدم.
وكما عجزت عن الالتزام بالإيقاع وتطبيق قاعدة بسيطة، تعثّرت في التعبير والكتابة أمام براعة الشابّات والشبّان والأطفال في “فرقة برجا للفنون الشعبيّة” وهم يقدّمون لوحات الدبكة البديعة أمام جمهور غفير ولجنة تحكيم من الخبراء وعدسات الكاميرات. الأفظع هو أنّني كنت أنفعل إلى درجة البكاء كلّ مرّة لامس فيها قلبي صدقُ الراقصين وشغفهم بالرقص وانسياب أجسادهم مع الموسيقى ولمعان عيونهم وإشراق ابتساماتهم… قالت أمّي إنّها بكت أيضاً، وإنّ الراقصين كلّهم “حلوين” وجوههم جميلة وبريئة وصافية. هل هي مصادفة أن يظهروا جميعاً “حلوين”؟
أم أن هناك سبباً يجعلنا نراهم هكذا، بعد تجاهلنا لجيلهم وجهلنا به وسوء تواصلنا معه؟
الحرية vs الانضباط
شخصياً، لم أنجح يوماً في الانضمام إلى صفّ الدبكة الذي يتكوّن تلقائياً في الأعراس والمناسبات الاحتفالية السعيدة. كنت أفضّل الرقص منفردة، ليس لسبب غير الحرية، فلا أحد يمسك بيدي أو يجبرني على متابعته وضبط حركتي بحركته. أرقص منفردة أمام صفّ الدبكة وأنا أعرف أنّهم مشغولون بتنسيق نقلاتهم ولا يأبهون لي، ما يشعرني أنّي أرقص على الشرفة الطلقة بينما أهل البيت يرقصون وراء الجدران. لكن ما أدركته اليوم، مع متابعة أسبوعية ويومية لرقصات الفرق المشاركة في المنافسة على لقب أحسن فرقة دبكة، هو أنّ هؤلاء الراقصين صنعوا حرّيتهم بطريقتهم، وهي ليست شرفةً أو نافذة، بل هي تلك الساحة اللامتناهية من التشابك والتكاتف والتحليق والدوران والهيصات والأنفاس التي تجمعهم وتطلقهم في الآن نفسه، حيث تتلاشى الحدود الفرديّة لكلّ منهم ليصيروا كياناً واحداً. هذا سيذكّر محبّي كونديرا بمشهد بديع في روايته “الحياة في مكان آخر” وهو يصف نشوة بطله في الانضمام إلى حلقة من رفاقه وأهل مدينته في ساحاتها، كان ذلك يحقّق له الانتماء والزهوّ والأمان، وهذا أيضاً ما تحققه حلقة الدبكة لأعضاء الفرقة ولأهلهم بالمثل.
العشب النّابت بين الحصى
في طفولتي، زمن الحرب، كنّا ننتظر عرس قريب ما، لنرقص ونتفرّج على الرقص. كان رقص الأطفال من الفقرات المهمّة التي تشغل مسرح الأعراس في البيوت والدور والساحات، حتى إذا أتت فقرات العرض البارزة- تلك التي للكبار والعروسين- يتم “تكنيسنا” من الساحة وحتى زجرنا. وبديهي أن أعراس الصالات المكلفة لم تكن شائعة. وحين شاعت، عرفنا أن البيوت التي ملّها الأطفال، هي جنّتهم وعليهم البقاء فيها. وفي كل حال بقيت الدبكة مناسبة لعرض البراعة والفحولة والأنوثة، فالشبان يتبارزون في ضرب الأرض بأقدامهم القوية، والفتيات يتبارزن في هزّ أكتافهن وتنقيل خطواتهن بدلال وخفر. لم تتوقّف أعراس ذاك الزمن، وإن ضاقت ساحات الرقص وحلقات الدبكة بالضرورة.
وفي الهدنات تمّ التعويض، حيث انتعش نشاط فرقة الدبكة في بلدتنا وشاركت في مهرجانات محلية وعربية، رغم أن مصيرها بدا غامضاً حين زادت النزعات الدينية المتزمّتة وغير المرحّبة بفكرة أن يشبك الفتيان والفتيات أياديهم وتتلامس أذرعهم وإن عبر الأقمشة، الأقمشة التي هي جزء كبير من إراث البلدة، برجا التي كان غزلها وتسديتها وحياكتها على النول مصدر رزق أجيال منها حتى منتصف القرن الماضي. ولا ننسى أن من يرقصون اليوم هم أحفاد الحائكين الذين أتقنوا شبك الخيط بالخيط وتوزيع الأنماط وتنسيق الألوان، وأن تلك المهارات انتقلت إليهم في رقصهم وكوريغرافيا عروضهم وملابسهم. كما لا ننسى أن الانتساب للفرقة والمشاركة في تدريباتها تعرّض لانتكاسات، مثل وباء كورونا وانهيار العملة والحروب الإسرائيلية على لبنان.
لكن، كما ينبت العشب بين الحصى، كانت الفرقة تظهر وتبرع كلما فُتح لها شقّ من النور، فيتراص أفرادها على خشبة المسرح أو أي ساحة، لتثبت وجودها ووجود الفرح والأمل في الغد، ونبذ التزمّت لصالح الروح الجماعيّة والتعاضد الأخويّ.
ورَثة الدعابة والجرائم البيئيّة
هؤلاء الراقصون اليافعون هم ورثة الدعابة وخفّة الظلّ اللتين تشتهر بهما برجا، وورثة خبرات الترحال والتعامل مع الغرباء من أجدادهم باعة الأقمشة المتجوّلين، وهم أيضاً حاصدو ما زرعناه من قُبح وعِلل بيئية وطبيعية. لكن رغم زحف العمران وعشوائيّته وانحسار المساحات البرّية، ورغم معملي الكهرباء والأسمنت ومكبّ النفايات التي تبثّ السموم القاتلة في البلدة، يريد شباب “فرقة برجا للفنون الشعبيّة” أن يقولوا بصيحاتهم وخبطات أقدامهم القويّة ودوَرانهم الرشيق، إنّ الجسد يتعافى بالحركة، والروح تتعافى بالرقص والغناء.
دبكة الجيل Z
هؤلاء الذين يرقصون ويُفرحون قلوبنا هم “الجيل زِد”، الذي لا نعرفه ولم نفهمه بعد، اختبروا معنا مآسي العقد الأخير، وتحمّلوا تبعات حروبنا وفسادنا وعجزنا، وآثروا التحديق في شاشات هواتفهم بدلاً التحدّث إلى من لا يفهمون لغتهم، وها قد عثروا أخيراً على فرصتهم عبر مسابقة تلفزيونية واختاروا الرقص والبهجة وهزّ الأكتاف وتمايل القامات والملابس الجميلة المزركشة والملوّنة والأحذية ذات النعال العازفة، ليحدّثونا عبر ماضينا عن غدهم، لعلّنا نوافيهم إلى ما بقي منه.
