بين منطق الدولة ومنطق المحاور تتحدد اليوم خرائط النفوذ وتتشكل ملامح التفاعلات والتوازنات الدولية الجديدة، فالدولة بوصفها كيانا مؤسسيا يقوم على الشرعية والقانون والمصلحة الوطنية، تتحرك وفق حسابات المصلحة الوطنية طويلة الأمد، وتستند إلى تراكم الخبرة وإدارة المخاطر بوعي تاريخي، أما منطق المحاور فينطلق في أغلب الأحيان من اصطفافات حادة، تبني سياساتها على الاستقطاب، وتختزل التعقيد في ثنائيات صدامية تعيد إنتاج التوتر بدل احتوائه، وبين هذين المسارين يقف العالم العربي أمام اختبار استراتيجي عميق يتمحور حول البحث عن أيهما أقدر على صيانة المصالح العربية وتعظيم أثرها في بيئة دولية تتغير بسرعة، كما يغدو السؤال الاكثر إلحاحا؛ كيف يمكن تحويل التحول الدولي إلى فرصة لبناء تكتلات عربية وإسلامية قادرة على حماية المصالح وتعظيم التأثير؟
المشهد الدولي يكشف انتقالا من مركز ثقل واحد إلى شبكة مراكز متداخلة، حيث تسعى التكتلات إلى توسيع حضورها الاقتصادي والمالي، وتواصل الاتحادات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي ترسيخ نموذج العمل الجماعي، بينما تعيد قوى كبرى مثل الصين وروسيا صياغة أدوارها في الاقتصاد والسياسة والأمن، وهو ما يؤكد تراجع أثر الفعل الفردي، وتقدم وزن الكتل المنسقة التي تتحدث بصوت واحد وتفاوض ببرنامج مشترك.
هنا تتجلى أهمية الانتقال من تعاون عربي تقليدي يقوم على التنسيق الموسمي إلى بناء تكتلات حقيقية ذات أهداف محددة وأدوات تنفيذ واضحة، حيث أن التكتل العربي أو الإسلامي القادر على بلورة مواقف سياسية موحدة وسياسات اقتصادية مشتركة في مجالات الاعتماد المتبادل والطاقة والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، سيكون قادرا بالتأكد على تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى نفوذ جماعي مؤثر، وتكون الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والثقل الديمغرافي، والعمق الثقافي، كلها أوراق قوة تفقد جزءا كبيرا من قيمتها حين تبقى مشتتة.
وفي هذا السياق يمكن أن تشكل التكتلات العربية والإسلامية منصة لتعظيم القدرة التفاوضية في مواجهة القوى الكبرى والتكتلات المنافسة، ذلك أن توحيد المواقف في الملفات والقضايا السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية أو في قضايا الأمن الإقليمي سيجعل الكلفة السياسية لتجاهل الصوت العربي أعلى، ويصبح التعامل معه ضرورة في حسابات القوى الدولية، فالعمل الجماعي يخلق مواقف سياسية أكثر صلابة واقتصادا أوسع، وسوقا أكبر، ومجالا استثماريا أكثر جاذبية، ما ينعكس مباشرة على مصالح الدول المنخرطة فيه.
كما يوفر التكتل مظلة لإدارة الخلافات البينية ضمن أطر مؤسسية، بعيدا عن الانزلاق إلى اصطفافات خارجية، حيث يتكامل هنا منطق الدولة مع منطق الجماعة المنظمة بحيث تحافظ كل دولة على استقلال قرارها، لكنها تدرك أن تعظيم المصلحة الوطنية يمر عبر تعزيز المصلحة الجماعية، وهذه المعادلة تفتح الباب أمام شراكات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، دون ارتهان لمحور بعينه أو انخراط في صراعات تستنزف الموارد.
البعد الإسلامي في هذا السياق يمنح التكتل عمقا جيوسياسيا إضافيا يمتد من آسيا إلى إفريقيا، ويعزز فرص التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية وكذلك في مجالات التمويل الإسلامي، والاقتصاد الرقمي، والبنية التحتية العابرة للحدود، حيث يؤدي توحيد المواقف السياسية وتكامل الأسواق وتنسيق السياسات النقدية والتجارية إلى التخفيف من هشاشة المواقف السياسية والاقتصادات الفردية أمام القوى والصدمات العالمية، ويمنحها قدرة أكبر على الصمود والتأثير.
في المحصلة، تفرض المرحلة الراهنة التكتل كضرورة استراتيجية لحماية المصالح وصون السيادة، وعليه فإن المطلوب الانتقال من بيانات التضامن إلى بناء مؤسسات فاعلة، ومن الاجتماعات الدورية إلى برامج تنفيذية محددة الأهداف والجداول الزمنية، عبر تكتلات عربية وإسلامية راسخة تستطيع أن تحجز مقعدا فاعلا في هندسة النظام الدولي الجديد، وأن تحول الثقل الكامن إلى قوة حقيقية على طاولة القرار الإقليمي والدولي.
