عروبة الإخباري –
في المسافة بين نبضةٍ وأخرى، بين صمتٍ يسبق الكلام وكلمةٍ تولد من الصمت، تتشكّل عوالم لا يراها إلا الذين يُصغون بقلوبهم. هناك، في تلك المنطقة الشفافة بين الإحساس واللغة، يسطع حضور د. رامونا يحيى؛ لا ككاتبةٍ تعبر الصفحات، بل كروحٍ تترك أثرها على بياض الورق كما تترك الشمس أثرها على نافذة الفجر.
في البدء لم تكن الكلمة عندها حرفًا، بل نبضًا معلّقًا بين القلب والسماء، وكانت الروح تبحث عمّن يمنحها صوتًا، فجاء الشعر، وجاءت معه رامونا—كأنها ابنة اللغة حين تخلع صمتها، وظلّ القصيدة حين تقف في الضوء.
الكتابة لديها ليست فعلًا عابرًا، بل إقامة كاملة داخل الحرف. حين تكتب لا تصف العالم فقط، بل تعيد خلقه على مهل؛ تمنح الأشياء أسماءها الأولى، وتعيد للمشاعر دهشتها القديمة. كلماتها لا تمشي على السطر، بل تنبض فيه وتتنفّس، وتترك خلفها ظلالًا من المعنى لا تزول سريعًا.
في طفولةٍ كانت تُصغي للريح أكثر مما تُصغي للضجيج، جلست طفلة أمام نافذة صغيرة. لم تكن ترى الحقول وحدها، بل المعاني وهي تركض بين الأعشاب، وتسمع الهمس الذي لا يسمعه أحد. هناك بدأت الرحلة؛ رحلة لم تكن نحو الكتابة فحسب، بل نحو الإصغاء العميق للحياة. كانت الحروف تتكوّن في داخلها كما يتكوّن الفجر ببطء خلف الليل.

لم تتعلّم الكتابة لتقول ما يراه الجميع، بل لتقول ما يشعر به الجميع ولا يجدون له صوتًا. فصارت كلماتها مرافئ لمن أثقلهم الشعور، وأجنحةً لمن ضاق بهم الواقع. وحين تكتب، لا تكتب بيدها وحدها، بل بذاكرة الضوء، وبأصابع الحلم، وبنبضٍ يعرف الطريق إلى القلوب دون استئذان.
قبل كل نصّ لديها صمتٌ طويل، صمتٌ يشبه الوقوف على باب كونٍ جديد، ثم ينفتح الباب فتنساب الجمل أنهارًا من إحساس، ويولد النص كأنه كائن حيّ يتنفّس بين السطور. لذلك يشعر القارئ أن النص لا يُقرأ فقط، بل يُعاش.
في نصوصها لا يوجد فصل بين الفكر والإحساس؛ كلاهما يسيران معًا كما يسير النهر وضفّته. الفكرة لا تأتي باردة، والإحساس لا يأتي عابرًا؛ كل شيء مصقول بحرارة التجربة وصدق الرؤية. هي لا تكتب لتُكثر الكلام، بل لتكثّف المعنى، ولا تلاحق البلاغة بل تترك البلاغة تتبع صدقها. فالجمال في نصوصها ليس زينة تُضاف، بل روح تسكن النص من الداخل.
وترى أن الأدب ليس رفاهًا، بل ضرورة إنسانية؛ مساحة يقول فيها الإنسان ما يعجز عنه في ضجيج الحياة. وفي عالمها لا يعود الشعر ترفًا، بل طريقة لفهم النجاة وترميم الداخل وجمع شتات الروح. فهي لا تفصل بين الإنسان والقصيدة، لأن الإنسان في نظرها قصيدة مؤجّلة، والحياة مسودة طويلة نحاول تنقيحها بالحب والفهم وقليلٍ من الجمال.

أما حضور المرأة في الأدب، فترى فيه أصل النغمة لا صداها؛ ذاكرةً كاملة تتكلم. فالمرأة حين تكتب تفتح نوافذ على طبقات عميقة من الشعور الإنساني، وعلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع جوهر الحياة، وتمنح الضوء لحكاياتٍ صامتة انتظرت طويلًا من يرويها.
وإلى جانب حضورها الأدبي، يرافقها حضور إنساني دافئ؛ ابتسامة تضفي أُنسًا على لقاءاتها، وهدوءٌ مؤثر يجعلك تشعر أن الأناقة الحقيقية هي انسجام الداخل مع الخارج، وأن الجمال يمكن أن يكون في الروح كما في الملامح، وفي الكلمة كما في الإطلالة.
للشباب الحالمين بدخول عالم الأدب، رسالتها هادئة وعميقة: اقرؤوا كما لو أن كل كتاب حياة إضافية، واكتبوا كما لو أن كل نص جزء من أرواحكم. لا تكتبوا لتشبهوا أحدًا، بل لتقتربوا من صوتكم الحقيقي. لا تركضوا وراء الشهرة، اركضوا وراء الصدق؛ فالشهرة ظلّ، أما الصدق فهو الجسد الحقيقي للكلمة. واصبروا على النص كما يصبر البذر تحت التراب، فالإبداع ينمو في الخفاء قبل أن يزهر في العلن.
وحين نقترب من عالمها، لا نشعر أننا نقرأ كاتبة، بل نسير في مجرّة من المعاني؛ كل نصّ نجم، وكل جملة مدار، وكل كلمة شرارة حياة. هي لا تكتب لتُعجبنا فقط، بل لتوقظ شيئًا نائمًا في داخلنا، وتذكّرنا أن في الإنسان مساحة من الضوء حتى لو أثقلته العتمة.

وهكذا تبقى رامونا—لا كاسمٍ في سطر، ولا كصوتٍ في لقاء، بل كحالة أدبية كاملة؛ كريحٍ لطيفة تمرّ في الروح فتتركها أكثر صفاء. إنها لا تعلّمنا كيف نكتب فحسب، بل تذكّرنا لماذا نكتب، ولماذا نحتاج الكلمة، وكيف يمكن لجملةٍ واحدة صادقة أن تفتح نافذة أمل في يومٍ مثقل.
نصوصها لا تنتهي عند آخر سطر، بل تبدأ في قلب القارئ؛ كنهرٍ مستمر، ووعدٍ خفيّ بأن الجمال ما زال ممكنًا ما دامت هناك كلمة تُكتب بصدق، وروح تؤمن أن للحروف أجنحة.
