أنظمة حكمت شعوبها أربعين وخمسين عامًا، رفعت رايات المقاومة، والتحرير، والصمود، والممانعة، والاشتراكية، والقومية، ولم تفعل شيئًا واحدًا بسيطًا: أن تُشبع شعبها، أو ترفع مستوى معيشته، أو تصون كرامته. نصف قرن من الخطابات، ونصف قرن من الأناشيد، ونصف قرن من الزعماء الخالدين… والنتيجة واحدة: دول منهكة، شعوب فقيرة، واقتصادات مدمّرة، ومستقبل مسروق.
سقطت أنظمة كثيرة، وما زالت أخرى تتهاوى ببطء. لم تسقط لأنها تخلّت عن شعاراتها، بل لأنها تمسّكت بها أكثر من اللازم، وجعلت منها بديلًا عن العمل، وعن الخبز، وعن العدالة. تحوّلت الشعارات إلى ستار كثيف يُخفي الفشل، ويبرّر القمع، ويمنح السلطة حق الاستمرار بلا محاسبة.
المفارقة أن هذه الأنظمة كانت قادرة، لو أرادت، على تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم. أربعون عامًا كافية لبناء اقتصاد منتج، ونظام صحي محترم، وتعليم لائق، وبنية تحتية تليق بالإنسان. لكنها اختارت الاستثمار في الأجهزة، وفي الزعيم، وفي الصور، وفي الخوف، بدل الاستثمار في الإنسان.
الشعار لا يطعم جائعًا، ولا يداوي مريضًا، ولا يعلّم طفلًا. الشعار لا يخلق وظيفة، ولا يحمي عملة، ولا يمنع الهجرة. ومع ذلك، أُجبرت الشعوب على ترديده، والتصفيق له، والدفاع عنه، حتى وهي تقف في طوابير الخبز والوقود والدواء.
الأنظمة التي سقطت لم تفهم أن الشرعية لا تُستمد من التاريخ، ولا من المؤامرات، ولا من العداء الدائم للآخر، بل من رضا الناس. والأنظمة التي ستسقط لم تتعلّم بعد أن الزمن تغيّر، وأن الشعوب لم تعد تقايض كرامتها بالشعارات، ولا مستقبل أولادها بخطاب حماسي.
الحكم ليس قصيدة، ولا نشرة أخبار، ولا صورة على جدار. الحكم مسؤولية، ومن يعجز عن تأمين أبسط حقوق شعبه، مهما طال الزمن، سيسقط. قد يتأخر السقوط، وقد يأخذ أشكالًا مختلفة، لكنه حتمي، لأن الجوع أقوى من أي شعار، والحقيقة أقسى من أي خطاب.
