أعاد حديث السيدة في برنامج جعفر توك فتح ملف التحرش في الأردن إلى الواجهة، وهو ملف حساس لا يحتمل الإنكار ولا التهوين، كما لا يحتمل التعميم أو إطلاق الأحكام المطلقة. فالتجارب الفردية، مهما كانت مؤلمة، تستحق الاستماع والتعامل معها بجدية واحترام، لأن أي شكل من أشكال التحرش هو انتهاك صريح لكرامة الإنسان واعتداء على حقه في الأمان، بغض النظر عن جنسية الضحية أو مكان وقوع الحادثة.
في الوقت ذاته، من غير المنصف اختزال مجتمع كامل في سلوكيات فردية مرفوضة قانونًا وأخلاقيًا. فالمجتمع الأردني، بما يحمله من منظومة قيم محافظة وأعراف اجتماعية راسخة، يرفض التحرش من حيث المبدأ، لكن الرفض الأخلاقي لا يكفي وحده إذا لم يقترن بوعي حقيقي، ومساءلة واضحة، وتطبيق فعلي للنصوص القانونية. وقد شهدت التشريعات الأردنية تطورًا مهمًا في السنوات الأخيرة، حيث تم تجريم أفعال التحرش بشكل صريح، سواء كانت لفظية أو جسدية أو عبر وسائل الاتصال، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حماية الكرامة الإنسانية جزء أصيل من سيادة القانون.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في وجود النص القانوني، بل في فعالية تطبيقه، وفي خلق بيئة آمنة تشجع الضحايا على الإبلاغ دون خوف من الوصمة الاجتماعية أو التشكيك أو تحميلهم جزءًا من المسؤولية. فالمعادلة العادلة تقوم على تحميل الجاني وحده المسؤولية، وترسيخ ثقافة تحمي الضحية بدل أن تضعها في موقع الاتهام. وفي هذا السياق، تلعب المنصات الإعلامية دورًا مؤثرًا؛ فهي تسهم في كسر الصمت وتسليط الضوء على قضايا مسكوت عنها، لكنها تتحمل أيضًا مسؤولية الطرح المتوازن الذي يعالج الظاهرة دون أن يكرّس صورًا نمطية أو يعمّم الأحكام.
إن مواجهة التحرش لا تكون بالدفاع الانفعالي عن صورة المجتمع، ولا بجلد الذات أو تضخيم الظاهرة، بل بالتعامل معها بوصفها سلوكًا منحرفًا يتطلب ردعًا قانونيًا وجهدًا تربويًا وثقافيًا مستمرًا. فتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع المدني، في إطار يؤكد أن كرامة الإنسان خط أحمر لا يقبل المساومة. وفي النهاية، تبقى القضية أكبر من نقاش عابر أو تصريح إعلامي؛ إنها مسألة تتعلق بسيادة القانون وبصورة مجتمع يريد أن يصون قيمه عبر الشفافية والمساءلة والعدالة، لا عبر الإنكار أو التعميم!
