عروبة الاخباري –
في مدنٍ أنهكتها الأزمات، يصبح للكلمة وزنٌ مضاعف، وللموقف قيمةٌ أخلاقية لا تُقاس بحروفٍ تُكتب بل بالنيات التي تقف خلفها. وحين تتحوّل الكلمة من رسالة ووعيٍ إلى أداة تجنٍّ، يصبح الصمت تواطؤًا، ويصبح الدفاع عن الحقيقة واجبًا لا خيارًا.
طرابلس اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى إنصافٍ يُعيد الأمور إلى ميزانها الصحيح. فبين من يعمل على الأرض، ومن يكتب من خلف الستار، فرقٌ كبير بين من يحمل همّ المدينة ومن يحمل عليها. ومن هنا، لا بدّ من قول كلمة حقّ في زمن تختلط فيه الأصوات، وتُستهدف فيه الشخصيات العاملة بدل أن تُدعَم، ويُصوَّب فيه السهم نحو من يحاول بدل أن يُصوَّب نحو مكامن الخلل الحقيقية.
ومن بين هؤلاء الأوفياء، تبرز محافظ طرابلس بالإنابة، قائمقام إيمان الرافعي، التي أثبتت حضورها المميّز وحرصها الصادق على المدينة وأهلها، وكرّست جهدها لما فيه خير طرابلس الفيحاء، عاصمة الأدب والثقافة، وسط تحديات جسيمة وإهمال متراكم.
من المؤسف، بل من المشين، أن تطالعنا بين الحين والآخر بعض الأقلام التي اعتادت أن تعيش على الضجيج، فتختار طريق التجنّي بدل الحقيقة، وطريق الإثارة بدل الإنصاف، أقلام تحاول، في محاولة بائسة، اغتيال صورة شخصية طرابلسية صاحبة حضور مميّز وبصمة واضحة في خدمة مدينتها وأهلها.
يا أبناء طرابلس، يا من تعرفون وجع مدينتكم كما تعرفون نبض قلوبكم… اسألوا أنفسكم: هل تُبنى المدن بالتشويه؟ هل تُعالَج الأزمات باختراع متهم جديد كل يوم؟ أم تُعالَج بالصدق ومواجهة الأسباب الحقيقية؟
أيّ ظلمٍ هذا أن تُحمَّل شخصية إدارية مسؤولية تراكمات سنين طويلة من الإهمال والفوضى؟ وأيّ منطقٍ هذا الذي يبحث عن شماعة يعلّق عليها أوجاع مدينة عانت من الحرمان والتهميش لعقود؟ كأنّ المطلوب أن تُختصر كل الأزمات في اسمٍ واحد، وأن تُغضّ الأبصار عن جذور الخلل الحقيقية.
طرابلس الفيحاء، عاصمة الأدب والثقافة، ليست مدينة عابرة في تاريخ هذا الوطن، بل هي ذاكرة حيّة، وروح نابضة، ومنارة علم وفكر. مدينة إذا تعبت، شعر الوطن بتعبها، وإذا نهضت رفعت الجميع معها. ومن يخدم هذه المدينة بإخلاص، إنما يخدم تاريخًا عريقًا وكرامة ناسها قبل أي شيء آخر.
إنّ من يعمل في الشأن العام بضمير، ويقترب من هموم الناس، ويسعى ضمن ما هو متاح لتخفيف معاناتهم، يستحق الدعم لا الرجم بالكلمات. فالإدارة ليست عصًا سحرية، بل عمل تراكمي يحتاج إلى تعاون الجميع، لا إلى تصويب سهام الاتهام من خلف الشاشات.
فلنكن صريحين: طرابلس لم تتعب من العاملين لأجلها، بل تعبت من المتفرجين عليها، فقد تعبت من الذين لا يظهرون إلا عند الأزمات، ولا يتقنون إلا لغة الاتهام، ولا يملكون شجاعة المواجهة حين يكون الحديث عن الفساد الحقيقي أو عن الإقصاء المزمن أو عن المشاريع التي وُعدت بها المدينة ولم ترَ النور.
واللافت أنّ بعض الأصوات التي ترتفع اليوم بالاتهام، تخفت فجأة حين يحين وقت قول الحقيقة. هناك تصبح الأقلام خجولة، وتصبح الجرأة انتقائية، ويصبح الصمت سيّد الموقف.
ستبقى طرابلس أكبر من حملات التشويه، وأكبر من الحسابات الضيّقة، وأكبر من محاولات زرع الشك بين أهلها. وستبقى الشخصيات التي تعمل لأجلها بإخلاص محل تقدير الناس الذين يعرفون من يقف إلى جانبهم في الشدائد، لا من يكتفي بالكلام.
فالتاريخ لا يُكتب بالافتراء، بل بالأفعال. والمدينة تعرف أبناءها الأوفياء، وتحفظ أسماء من خدموها بصدق، مهما حاول البعض تعكير الصورة أو قلب الحقائق.
أما تلك الأقلام الحاقدة البائسة، التي لا تعيش إلا على بثّ السموم، فهي تدرك في قرارة نفسها أنها عاجزة عن مواجهة مكامن الخلل الحقيقية، وعاجزة عن مقارعة الفساد، فتختار الطريق الأسهل: استهداف من يعمل بدل مساءلة من أفسد.
لكن في النهاية، سيبقى الميزان بين الضجيج والأثر. فالضجيج عابر مهما ارتفع، أمّا الأثر الصادق فيرسخ في ذاكرة المدن والناس. الأقلام البائسة الحاقدة إلى زوال، لأنها تعيش على اللحظة، بينما العمل الحقيقي يعيش في الزمن.
ويبقى ما صُنع بإخلاص شاهدًا لا يُمحى، ويبقى الجهد الذي بُذل من أجل طرابلس حاضرًا في وجدانها. ويبقى الأثر الذي صنعته محافظ طرابلس بالإنابة، قائمقام إيمان الرافعي، التي اجتهدت وثابرت من أجل الفيحاء، جزءًا من مسيرة مدينة تعرف جيدًا من خدمها بصدق.
فالمدن لا تحفظ أسماء من صرخوا حولها، بل تحفظ أسماء من عملوا لها. وطرابلس، كما عهدناها، تُنصف أبناءها الأوفياء… ولو بعد حين.
