د. رزان إبراهيم(ناقدة وأكاديمية أردنية) –
تنتمي مجموعة «جبل الجليد» لأماني سليمان داود إلى سرد معاصر يتسم بكثافة دلالية واعتماد واضح على الرمز والإيحاء، بما يجعلها قابلة للقراءة وفق مقاربات نقدية متعددة، وفي مقدمتها المقاربة الموضوعاتية المعنية بتتبع الدلالات المتكررة التي تُشكّل العالم الداخلي للمجموعة، وتشتغل في الوقت ذاته على ما يسكنها من هواجس ورؤى وجودية ذات طابع فلسفي، وذلك عبر رصد الألفاظ والصور والرموز المتكررة الحاملة لدلالة موضوعاتية عميقة. وتكشف هذه المقاربة عن نسيج سردي يتأسس على تواتر ثيمات مركزية تعكس قلق الإنسان المعاصر وانكساراته.
• ثيمة الموت وتحولات دلالتها
تستوقف القارئ هيمنة ثيمة الموت بوصفها ثيمة مركزية حاكمة في قصص المجموعة، تتقاطع معها ثيمتا الأب والجنون بوصفهما تجليين دلاليين لأزمة الوجود والهوية داخل العالم القصصي. فالموت لا يحضر باعتباره حدثًا نهائيًا فحسب، بل يتكرر بوصفه هاجسًا وجوديًا دائمًا يلوّن السرد ويعيد تشكيل علاقة الشخصيات بذواتها وبالآخرين، ويحيل إلى قلق ملازم للإنسان المعاصر، مقرون بدعوة ضمنية إلى تأمل هشاشة الوجود الإنساني وزواله. وقد اقترن الموت في «جبل الجليد» بمفهوم الفقد في دلالاته المتعددة: فقد الأشخاص، وفقد القيم، وفقد البراءة، وأحيانًا فقد الوطن.
• الأب بين الرمز والفقد
ويحضر الموت على نحو خاص مقترنًا بالأب، كما في قصة «أول الحياة آخر الموت»، حيث يغدو الأب جزءًا من التربة التي يدوس عليها الراوي. وهنا لا يكون موت الأب مجرد واقعة سردية، بل يتحول إلى رمز كثيف الدلالات النفسية والثقافية والوجودية. ولا يتطابق حضور موت الأب في هذه المجموعة مع الأطروحة الفرويدية التي ترى فيه تحررًا من السلطة العليا، إذ لا يمثل موت الأب نهاية لسلطة قمعية بقدر ما يشي بفقد الحماية والاستقرار، وبالقطيعة مع الماضي، ويُنذر بتشتت الشخصية القصصية وانغماسها في الاغتراب.
ومع ذلك، لا تخلو المجموعة من قصص يقترن فيها موت الأب ببدايات جديدة، كما في قصة «الابن الذي زرع أباه ورشه بالماء»، حيث يتجلى الأب بوصفه رمزًا للاستمرار والديمومة. فالأب، الذي كان يزرع الأرض ويعلم ابنه الزراعة، يعود في الحلم ليرش الماء من دلو لا ينفد، في مقابل استجابة الابن الذي يزرع جسد أبيه ويرويه كما كان يروي الفسائل. وتحيل هذه الصورة إلى رغبة مزدوجة في الاستعادة والخلود، تتكرر بصيغ مختلفة، كما في قصة «خلل ما»، حيث يتردد النداء: «تعال يا أبي»، نداء يتأرجح بين الرغبة في القرب والإقرار باستحالة اللقاء، كما تدل عليه عبارة الابن: «عليّ إنجاز واجبات كثيرة في هذه الحياة، لذا عليّ أن أستمر في إغلاق قبره دوني».
ومع حضور الموت، يبرز نقيضه بوصفه حضورًا موازنًا، فتتجاور ثنائيات الموت والحياة، والحب والحرب. ففي قصة «زرقة شفيفة»، يُمنح القارئ فرصة لتأمل الحب في سياق الحرب، حبٌّ يحضر بوصفه رغبة في الاستمرار ومقاومة رمزية للفناء، في عالم تمضي فيه الحياة رغم الخراب، ويظل فيه من يرقص ويغني.
• الجنون بوصفه أداة كشف
يجتمع الموت في هذه المجموعة بثيمة الجنون في علاقة جدلية، فالموت يفجّر الجنون، والجنون يقود بدوره إلى الموت، وكلاهما ينتج مزاجًا سوداويًا يهيمن على العمل ويشير إلى انكسار العلاقة بالعالم. وتبدو أسباب الجنون في النصوص متعددة ومقنعة، في حين يغدو الاتزان العقلي حالة نادرة تستدعي التساؤل، بما يعكس تمردًا على واقع مختل ونظام قمعي. وفي هذا السياق، يحضر الجنون نافذة على الحقيقة، إذ يبوح المجانين بما يعجز العقلاء عن قوله، فيغدو الجنون أداة كشف وفضح لمجتمعات غير سوية تعاقب المختلف والصادق.
ولا يقتصر الجنون على بعده الدلالي، بل يؤدي وظيفة جمالية وتقنية، تتيح تجاوز الواقع والدخول في فضاء غرائبي عجائبي، كما في «أهبل الحي» و«رجل الملاريا»، حيث تتقاطع اضطرابات الشخصيات مع اضطراب الراوي نفسه، في صورة الشريد القلق الذي لا يألف الأمكنة المغلقة، ويغريه الحلم بالتحليق أو القفز، وهو ما جسدته قصة مجنون الحارة الذي يحاول القفز من سطح العمارة.
• الراوي العليم والسجال السردي
تلفت قارئ المجموعة حالة سجالية واضحة مع الراوي العليم، الذي يتمتع بسلطة شبه مطلقة في توصيف الشخصيات وشرح دوافعها والحكم عليها، بما يحد أحيانًا من استقلالية الشخصية السردية. وينتج عن ذلك توتر سردي خصب بين هيمنة الراوي واعتراض الشخصية، يفتح سؤال الحقيقة: من نصدق؟ الراوي أم الشخصية؟ وهو ما يكسب النص قيمة تأويلية عالية، ويزعزع فكرة حياد الراوي العليم.
يتجلى هذا السجال بوضوح في قصة «مرآة جانبية»، حيث تدخل البطلة في مواجهة مباشرة مع الراوي، رافضة سلطته في إعادة تشكيل الحدث، ومؤكدة أن جزءًا كبيرًا من القصة يجب أن يبقى متواريًا «تحت جبل الجليد»، في إحالة واعية إلى العنوان، وإلى وجود روايات مضادة للنص الظاهر.
تتسم قصص المجموعة بقدرة الكاتبة على التقاط لحظات يومية عابرة وتحويلها إلى مشاهد دالة، كما في «نافذة وأسرار صغيرة»، حيث يتقاطع فرط أوراق الملوخية مع فرط الأسرار والنميمة، في بناء تصويري يجمع بين العنف الجسدي والعنف النفسي. كما تستقي الكاتبة صورها من مشاهد بصرية مكثفة، كما في «قشرة البيض»، و«الغرفة الخلفية»، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى رموز فاضحة لزيف الظاهر وفساد الباطن.
تحضر في المجموعة بصمة الأنثى بوضوح، على الرغم من تبني المجموعة صوت الراوي الذكر، ففي قصص مثل «قناع» و«أجساد وريش»، تُستثمر الرموز الحيوانية لتفكيك علاقات السلطة والخضوع، وتعرية أوهام الحرية. كما تحضر ذات الكاتبة بوصفها أديبة واعية بفعل الكتابة وحدوده، كما في قصة «هرم ماسلو»، التي تتساءل فيها عن جدوى الكتابة وقدرتها على مواجهة العنف وتحقيق الذات، في ظل إحساس بعجز اللغة، بما ينسجم مع مشهد القهوة المنسكبة التي تبتلع الأوراق والقصاصات.
• البنية السردية والتقنيات
لا تخضع بنية المجموعة لنموذج كلاسيكي صارم، بل تتسم بمرونة شكلية توظف الرسائل واللقطات السينمائية وتقنيات الزووم، ضمن بناء محكم قائم على تقابلات وتنقلات مدروسة تحفظ وحدة الأثر. ويتجلى ذلك في قصة «طابق آيل للسقوط»، حيث تتكرر مفردة «اليد» بين الإنقاذ والسقوط، في بناء دلالي متماسك يشير إلى مأزق الشخصية.
والكاتبة تنجح في توظيف المشهد الكاريكاتوري والسريالي بقصد تعرية الواقع وكشف سلوكياته المنحرفة، كما في «مجرد مزحة»، حيث يتحول العبث إلى أداة نقد لاذعة. أما عنصر المفاجأة والإدهاش فيقوم بدور فاعل في بنية القصص، عبر نهايات غير متوقعة، وشخصيات تنكشف هويتها في اللحظة الأخيرة، بما يعزز توتر القراءة ويعمق الأثر.
وفي المحصلة، تكشف المقاربة الموضوعاتية لمجموعة «جبل الجليد» عن عالم سردي مأزوم، تتشابك فيه ثيمات الموت والأب والجنون لتشكّل رؤية وجودية ناقدة للعالم والإنسان. وتنجح أماني سليمان في بناء نصوص تقوم على الإيحاء لا التصريح، وتستدعي قارئًا فاعلًا قادرًا على تفكيك طبقاتها الدلالية. وبذلك، تسهم المجموعة في إثراء القصة القصيرة العربية المعاصرة، من خلال خطاب سردي يخلخل اليقين ويزعزع ثوابت التلقي.
