عروبة الإخباري –
لكل وطن روايته التي تُشكّل وعي أبنائه، وتؤسس لهويته الجامعة، وتمنحه امتداده التاريخي والمعنوي، والسردية الوطنية الأردنية، ليست مادة عابرة تُصاغ على عجل، ولا رأيًا يُطلق في لحظة انفعال، بل هي بناء معرفي متراكم يشارك فيه مؤرخون وباحثون متخصصون، يستندون إلى الوثيقة والتحليل والمنهج العلمي. هؤلاء هم الأقدر على حمل مسؤولية صياغة التاريخ كما كان، لا كما يُراد له أن يكون.
والسردية الوطنية ليست ترفًا فكريًا أو مادة قابلة للاجتهاد العشوائي، بل مسؤولية معرفية وثقافية كبرى، لأنها تمس وعي المجتمع وصورته عن نفسه ومستقبله.
إن كتابة التاريخ وبناء السرديات الوطنية عملية علمية تراكمية، تحتاج إلى مؤرخين وباحثين متخصصين، يملكون أدوات التحليل والمنهجية والقدرة على التحقق من المصادر، فالتاريخ ليس مجرد حكايات متناقلة، بل قراءة نقدية للوثائق والأحداث والسياقات. لذلك فإن إسناد مهمة صياغة الرواية التاريخية إلى أهل الاختصاص ليس إقصاءً لأحد، بل حماية للحقيقة من التبسيط أو التسييس أو التوظيف اللحظي.
فحين تُبنى السردية الوطنية على أسس علمية راسخة، فإنها تتحول إلى مادة تعليمية تُدرّس للأبناء، وإلى مرجع ثقافي وفني ينعكس في الأدب والسينما والفنون والبرامج الثقافية، عندها تصبح الهوية الوطنية أكثر توازنًا ونضجًا، لأنها تقوم على فهم حقيقي للماضي، لا على انتقاء انتقائي لما يخدم مزاج اللحظة. الهوية القوية لا تخشى الحقيقة، بل تبنى عليها.
لكن في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، تغيّر المشهد، أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر رأيًا أو رواية أو “معلومة” تصل إلى آلاف الناس في دقائق. من حيث المبدأ، هذه المساحة الواسعة للتعبير قد تكون ظاهرة صحية تعكس حيوية المجتمع، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تختلط الآراء غير المتخصصة بالحقائق التاريخية، وحين يصبح الصوت الأعلى هو الأكثر انتشارًا، لا الأكثر دقة.
هنا تظهر فوضى السرديات، فكلٌّ يروي التاريخ من زاويته، أو وفق قناعاته، أو أحيانًا وفق مصالحه. فتضيع الحدود بين الرأي الشخصي والمعلومة الموثقة، وبين النقد المشروع وإعادة كتابة التاريخ دون أدوات علمية. ومع مرور الوقت، تتحول القضايا الوطنية العميقة إلى “ترندات” عابرة؛ تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة، لكنها تترك أثرًا من التشويش وفقدان الثقة.
الأخطر من ذلك أن انتشار الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة لا يسبب فقط بلبلة معرفية، بل قد يخلق بيئة مثالية لإخفاء القضايا الحقيقية. فعندما ينشغل الرأي العام بجدالات هامشية أو أخبار غير موثوقة، يتراجع الاهتمام بالملفات الجوهرية مثل الإصلاح، والشفافية، ومكافحة الفساد، في هذه الحالة، يصبح الضجيج ستارًا يختبئ خلفه الفساد الحقيقي، ويستفيد منه الفاسدون الذين يفضلون تشتيت الانتباه بدل تسليطه على الحقائق.
ومع ذلك، فإن الحل لا يكمن في حصر الحديث أو إغلاق باب النقاش. على العكس، المجتمعات الصحية تقوم على الحوار والنقد والمساءلة. لكن الفرق كبير بين نقد مبني على معرفة، ونقد قائم على الانطباعات أو الإشاعات. المطلوب هو ترسيخ ثقافة المسؤولية في التعبير: أن نسأل قبل أن نُصدّق، وأن نتحقق قبل أن نُعيد النشر، وأن نُفرّق بين المعلومة والرأي.
كما أن على المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية دورًا محوريًا في هذا المجال. فكلما كان هناك إنتاج معرفي جاد، وبرامج توعوية، ومساحات حوار محترمة، تراجع تأثير المعلومات السطحية، كالاستثمار في البحث التاريخي، وتوثيق الروايات الوطنية، وتقديمها بلغة معاصرة للأجيال الجديدة، هو استثمار في استقرار الهوية الوطنية نفسها.
المعادلة المنشودة ليست بين “رواية رسمية” و“أصوات شعبية”، بل بين معرفة رصينة ونقاش واعٍ. بين مؤرخين يقدمون عملًا علميًا، ومواطنين يمارسون حقهم في التساؤل بوعي، وإعلام ينقل بمهنية، وحين تتكامل هذه الأدوار، يمكن أن نحمي وعينا الجمعي من الفوضى، وأن نكشف الفساد الحقيقي بدل أن نغطيه دون قصد.
في النهاية، السردية الوطنية ليست ملك جيل واحد، بل أمانة تنتقل عبر الأجيال، وكلما تعاملنا معها بوعي ومسؤولية، كانت هويتنا أكثر قوة وثقة. فالوطن الذي يعرف قصته جيدًا، هو الأقدر على كتابة مستقبله بثبات
