حتى يتم المعنى، ما نحن بصدده هو حقيقتان إحداها هندسية والأخرى رياضية، وأشياء أخرى! فالساحرة المستديرة المعروفة عالميا بأنها كرة القدم التي يركلها اللاعبون بالأقدام ويناطحونها بالرؤوس ولا تمسها الأيادي إلا برمية يد على جانبي الملعب، تلك الساحرة في أمريكا ليست بمستديرة، بل بيضاوية حادة الرأسين أو القطبين. أما رياضيا، وبحسب أصول اللعب وقواعده التنظيمية، فإنها عكس المستديرة تماما، فيما يخص النصفين العلوي والسفلي للاعب، بحيث ما تسمى كرة قدم هي في حقيقة الأمر كرة الذراعين واليدين، لا بل والقبضتين بشكل أساسي.
المتابع لنهائي التصفيات السنوية المعروفة باسم بطولة «السوبر بول» يرى ترجمة مالية فلكية من خلال الدعايات المكثفة -تراوح سعر الثلاثين ثانية ما بين ثمانية إلى عشرة ملايين دولار- سيما الدعايات التي عرضت في الاستقطاعات الزمنية التي تفرضها اللعبة أو بين الشوطين، ترجمة لحدة التنافس الذي تم تتويجه في مدينة سانتا كلارا في ولاية كاليفورنيا ليلة الإثنين، بفوز «السي هوكس» (فريق سياتل عاصمة ولاية واشنطن) على «البيتريوتس» (فريق منطقة نيو إنجلند شمال شرق أمريكا وتشمل ست ولايات هي نيوهامْشر، فيرمونت، مين -بمد الياء المخففة-، مساشوسيتس، كَنَتِكِت ورود أيلاند). من اللافت الإصرار على عدم تبكير تلك المباريات من ليلة الإثنين -لاعتبارات تتعلق بنسب المشاهدة وبالتالي العائد الإعلاني- إلى ليلة السبت أو الأحد رغم كثرة حالات التغيب عن العمل والدراسة جراء السهر أو تداعيات الاحتفالات بالفائز أو الحزن على الخاسر!
وعند القول بأن الحقيقة الثانية رياضية و»أشياء أخرى»، فإني لا أعني فقط الدعاية والإعلان والعائد المالي الذي تجاوز الثمانمئة مليون دولار من عائدات الدعايات خلال المباراة، لكني أعني أيضا السياسة، داخليا وخارجيا. رغم حرص «الآباء المؤسسين» في أمريكا على تكريس مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وبين السلطات الثلاث، إلا أن الرياضة والقوى الناعمة والخشنة، لا تكاد تغيب عن شؤون الأمريكيين حتى في أمثالهم الشعبية وحياتهم اليومية. يوصف القريب أو الصديق المخلص المبادر الذي يعتدّ به ممن نصفه بأنه «أخو صاحبه» يوصف بال «كورتر باك»، وكذلك القيادي الألمعي في أي فريق إداري كان أم سياسي أم غير ذلك من ميادين الخدمة. دور ذلك اللاعب محوري في اللعبة، فهو عمليا «مايسترو» الهجوم المبادر المباغت والارتدادي، و»دينامو» الفريق كله، هو «كابتن» غير فخري وإنما عملي من طراز «حرّاث» و»بلدوزر» في آن واحد. من هنا تأتي عملية كسب أرض المعركة بالأفتار والأقدام، خطوة خطوة. هجمات مرتدة واختراقات وتمريرات، و»مْكابَشة» كما في لهجة أشقائنا اللبنانيين. التحام رياضي جماعي، فاختراق فردي بإسناد جماعي أيضا، الكل نجوم والكل رئيسيين. الجميع «على قلب رجل واحد» في عين العاصفة وقطب رحى المعمعة، حيث التدافع المتعمد والصدام الذي يبدو غريزيا -استراتيجيا وتكتيكيا- في إطار اللعب الخشن الذي يغض الحكام الطرف عنه، لغايات عدم تعطيل زخم الاندفاع نحو النصر الموسوم ب «تاتش داون» وهو إنزال من نوع خاص يكفي فيه لمس الكرة أرض الخصم وبعضها يتم غرسها غرسا بلحظة زهوّ يختال بها «كورتر باك» الفريق ونجم تسجيل الهدف بمرمى «المنافس» لا الخصم ولا العدو!
قبل أيام استوقفني تساؤل طرحته شاشتنا الأردنية الأم، التلفزيون الأردني حول المسؤولية الأخلاقية لمن يخوضون غمار التعليق أو التحليل السياسي وثمة فوارق جوهرية، ممن يصنفون بمحللي «ما يطلبه الجمهور» لهثا وراء «لايكات» أو اتباعا ل «هاشتاقات» عابرة للحدود، أو سعيا إلى الشعبوية، الزائفة أو العابرة! فلنا أن نتخيل كيف يكون الحال، لو قام معلق إيراني رياضي لا يشق له غبار أو محلل رياضي أيضا من محور تلك «الساحات» و»الأذرع» التي يتوعد بها نظام ملالي، كيف سيكون الحال لو أدلوا بدلوهم في دلالات «السوبر بول» التي غابت عن حفل افتتاحه طائرات «إف اثنين وعشرين رابتور؟! ليس بعيدا أن يخلص التعليق والتحليل لأسباب نصر ال «سي هوكس» أو هزيمة «البيتريوتس» (يعني الوطنيين)، إلى الطعن بشرعية المباراة ونتائجها، لا بل والدعوة إلى إبطال المباراة وتعليق بطولة «السوبر بول» لحين توفير «طابة» مستديرة، بعد أن يوسع ذلك الصنف من المحللين والمعلقين «الفوت بول» شتما، بأنها كرة «عوجة» وبيضاوية!!
