عروبة الإخباري –
الدستور – كتبت رنا حداد –
من الفيديو القصير إلى الصور الكاريكاتورية، المنصة تبحث عن الانتباه الضائع. نعم الفيسبوك يمر بحالة تشبه الاحتظار واليوم عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، بعد مؤشرات أداء حديثة كشفت استمرار تراجع معدلات التفاعل مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة، في مشهد يعكس تحوّلاً أعمق في سلوك المستخدمين وأنماط استهلاك المحتوى.
هذا التراجع دفع الشركة المالكة للمنصة إلى الرهان بشكل أوضح على زج الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لتحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، بل أيضاً لتبني تريندات جديدة مثل تحويل الصور الشخصية إلى شخصيات كاريكاتورية كل مستخدم حسب مهنته أو اهتماماته، بهدف تقديم تجربة أكثر تخصيصاً وتثير تفاعلية للمستخدمين ورواد المنصة.
وعلى ما يبدو فان التفاعل على منصة فيسبوك يتراجع أمام زحف الفيديو القصير، فقد أظهرت تقارير تحليلية حديثة أن متوسط معدلات التفاعل على «فيسبوك» واصل الانخفاض منذ مطلع عام 2025، في مقابل صعود لافت لمنصات تركّز على الفيديو القصير والمحتوى السريع الإيقاع. ويشير تحليل ملايين المنشورات عبر منصات اجتماعية مختلفة إلى أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في ذائقة الجمهور، ولا عن المنافسة الشرسة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية وتفاعلاً بصرياً.
ويرى مراقبون أن أحد أسباب تراجع التفاعل يعود إلى التشبع الهائل في المحتوى المعروض للمستخدم خلال ساعات قليلة، بحيث يمرّ أمامه سيل كثيف من المنشورات خلال وقت قصير، ما يخلق حالة من «انهيار السياق» ويؤدي إلى تراجع القدرة على التفاعل العميق. ومع تحوّل المنصة تدريجياً إلى مساحة إعلانية مكتظة، تقلّص حضور المحتوى النوعي لصالح الكم، وهو ما أضعف الإحساس بالحميمية والتواصل الاجتماعي التي كانت في السابق محرّكاً أساسياً للتعليق والمشاركة على صفحات فيسبوك.
ومن أبرز التحديات البنيوية التي تواجه فيسبوك أيضاً تغيّر تركيبتها العمرية. فبينما لا تزال أعداد المستخدمين ضخمة على مستوى العالم، تشير الاتجاهات العامة إلى أن الشرائح الأصغر سناً باتت تميل أكثر إلى منصات أخرى أكثر مرونة وسرعة في تقديم المحتوى، في حين يتزايد حضور الفئات العمرية الأكبر على «فيسبوك». هذا التحوّل يجعل المنصة أقل جاذبية لجمهور الشباب، ويضعها أمام معضلة استقطاب أجيال جديدة اعتادت على محتوى أقصر وأسرع وأكثر تفاعلية بصرياً.
الذكاء الاصطناعي رهان استعادة الانتباه
وفي محاولة لكسر هذا المسار التراجعي، اتجهت الشركة إلى تعزيز دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في ترتيب المحتوى داخل الخلاصات، وتحسين توصيات الفيديو والمقاطع القصيرة، بما يهدف إلى إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق. وتشير بيانات أداء حديثة إلى أن هذه التحسينات أسهمت في رفع نسب مشاهدة بعض أنواع المحتوى، وزيادة وقت مشاهدة الفيديو خلال فترات زمنية محددة، إلى جانب تكثيف عرض المقاطع القصيرة المنشورة حديثاً.
تريند الكاريكاتير الترفيه وسلاح التفاعل
وضمن محاولات المنصات استعادة الانتباه، برز مؤخراً تريند تحويل الصور الشخصية إلى شخصيات كاريكاتورية أو أنماط فنية مستوحاة من الرسوم المتحركة، وهو ما خلق موجة واسعة من المشاركة والتفاعل. هذا النوع من المحتوى التفاعلي لا يعتمد على ما ينشره الأصدقاء فحسب، بل يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتعرف على ملامح المستخدم واهتماماته، ما يجعل التجربة ممتعة ويزيد من احتمالية التفاعل ومشاركة المحتوى. ومع ذلك، يرى مختصون أن تأثير هذه الترندات غالباً مؤقت، وأنها لا تعالج الأزمة الأعمق المتمثلة في فقدان جمهور الشباب والاهتمام بالمحتوى النوعي.
خوارزميات تشبه «تيك توك»
لم تعد الخلاصة على «فيسبوك» تقتصر على ما ينشره الأصدقاء والمعارف، بل باتت تعتمد بشكل أكبر على توصيات خوارزمية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تعرض للمستخدم ما يتوافق مع اهتماماته اللحظية، حتى لو لم يكن مرتبطاً بدائرته الاجتماعية. هذا التحوّل، رغم أنه قد يزيد من معدلات المشاهدة، فإنه أسهم في تراجع الإحساس بالعلاقة الشخصية التي كانت تدفع المستخدمين سابقاً للتفاعل عبر التعليقات والمشاركات.
في المحصلة، يبدو رهان «فيسبوك»» على الذكاء الاصطناعي وتريند الكاريكاتير محاولة واقعية لتجميل الواجهة وتأخير نزيف التفاعل، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المرتبطة بتغيّر ذائقة الجمهور وتقدّم القاعدة العمرية للمستخدمين. فالمنصة قد تنجح في تحسين استهلاك المحتوى داخل دائرة المستخدمين النشطين حالياً، لكنها تواجه تحدياً أكبر في استعادة جاذبيتها لدى الأجيال الأصغر، في وقت باتت فيه المنافسة تُحسم بثوانٍ من الانتباه لا أكثر.
