يُولي القانون الدولي الإنساني أهمية متزايدة لحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، إدراكًا لما قد يترتب على تدميرها من آثار طويلة الأمد تطال حياة المدنيين وصحتهم وسبل عيشهم. وفي هذا الإطار، يثير استخدام مبيدات الأعشاب كوسيلة من وسائل القتال إشكاليات قانونية جدية، تتصل بمدى توافق هذه الممارسات مع القواعد الدولية الناظمة لوسائل وأساليب الحرب، ومع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، فضلًا عن القواعد الخاصة بحماية البيئة والأعيان المدنية¹.
وقد كرّس البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 مجموعة من الأحكام الصريحة الرامية إلى حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة. إذ تنص الفقرة الثالثة من المادة 35 على حظر استخدام وسائل أو أساليب قتال يُقصد بها أو يُتوقع منها إحداث أضرار بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية². كما تؤكد المادة 55 من البروتوكول ذاته التزام أطراف النزاع بحماية البيئة من هذه الأضرار، وتحظر أي أعمال عسكرية من شأنها إلحاق ضرر جسيم بها بما يهدد صحة السكان أو بقاءهم، فضلًا عن تحريم الهجمات الانتقامية التي تُوجَّه ضد البيئة الطبيعية بحد ذاتها³. ويُستفاد من هذه الأحكام أن حماية البيئة أصبحت عنصرًا جوهريًا في منظومة الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني.
وفي السياق نفسه، يجرّم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 8 الفقرة 2 (ب)(4)، تعمّد شن هجوم مع العلم المسبق بأنه سيسفر عن أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، متى كانت هذه الأضرار غير متناسبة مع مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة⁴. كما تُعدّ اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية (ENMOD) إطارًا قانونيًا دوليًا إضافيًا يحظر إحداث تغييرات بيئية متعمدة تُفضي إلى آثار جسيمة أو طويلة الأمد أو واسعة النطاق بقصد إلحاق الضرر بدولة أخرى⁵، ما يعكس اتجاهًا دوليًا متزايدًا نحو منع استخدام البيئة كأداة من أدوات الحرب.
ويُشكّل استخدام مبيدات الأعشاب في العمليات العسكرية نموذجًا واضحًا لوسائل قتال قد تُحدث تدميرًا واسعًا للغطاء النباتي والأراضي الزراعية، وهي عناصر تُصنّف، وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ضمن الأعيان المدنية⁶. وعليه، فإن اللجوء إلى هذه الوسيلة يثير شبهة مخالفة القواعد المتعلقة بحماية البيئة، ولا سيّما في الحالات التي لا يكون فيها الغطاء النباتي المستهدف ذا طابع عسكري مباشر أو مرتبطًا بضرورة عسكرية ملحّة.
ورغم أن بعض الدول لم تصادق على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فإن ذلك لا يعفيها من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي. فقد نصّت القاعدة 76 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، التي وضعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، صراحةً على حظر استخدام مبيدات الأعشاب كأسلوب من أساليب الحرب إذا كان من شأنها إلحاق أضرار جسيمة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية، أو إذا استهدفت الحياة النباتية التي لا تشكّل هدفًا عسكريًا مشروعًا⁷. وتُعدّ هذه القاعدة ملزمة لجميع أطراف النزاع، بغض النظر عن موقفها من الاتفاقيات التعاهدية ذات الصلة.
كما يُعدّ مبدآ التمييز والتناسب من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وقد كرّستهما اتفاقيات جنيف لعام 1949 بوصفهما قواعد واجبة التطبيق في جميع النزاعات المسلحة⁸. وبموجب هذين المبدأين، يتعيّن على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، كما يُحظر شن هجمات يُتوقع أن تُخلّف أضرارًا مفرطة بالمدنيين أو بالأعيان المدنية مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. وفي هذا الإطار، تُصنّف الأراضي الزراعية والأحراج ضمن الأعيان المدنية التي لا يجوز استهدافها، نظرًا لما يترتب على تدميرها من آثار مباشرة على الأمن الغذائي وصحة السكان والبيئة الطبيعية.
وبناءً عليه، فإن أي استخدام لمبيدات الأعشاب يؤدي إلى تدمير هذه الأعيان أو إلى إلحاق أضرار طويلة الأمد بها قد يُشكّل خرقًا جسيمًا لمبدأ التناسب، ويقوّض الحماية القانونية المقررة للبيئة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. وتكتسب التحقيقات العلمية والتقنية في طبيعة المواد المستخدمة، ومدى انتشارها، وحجم الأضرار البيئية والزراعية الناتجة عنها، أهمية خاصة في هذا السياق، إذ قد تفضي إلى توصيف هذه الأفعال بوصفها انتهاكات جسيمة، وقد تفتح المجال لتكييفها كجرائم حرب متى توافرت العناصر المادية والمعنوية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي⁹.
ويُعيد هذا النوع من الممارسات تسليط الضوء على النقاش الدولي المتزايد حول مفهوم “الإبادة البيئية” (Ecocide)، الذي يُقصد به إلحاق ضرر جسيم وواسع أو طويل الأمد بالبيئة الطبيعية. وقد تصاعدت الدعوات في السنوات الأخيرة إلى إدراج هذا المفهوم كجريمة مستقلة ضمن نظام روما الأساسي، بما يتيح ملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الجنائي الدولي، ولا سيّما في ظل المبادرات الحديثة الرامية إلى تعزيز المساءلة عن الجرائم البيئية¹⁰.
الهوامش والمراجع
- Yves Sandoz, Christophe Swinarski & Bruno Zimmermann (eds.), Commentary on the Additional Protocols of 8 June 1977, ICRC, 1987.
- Protocol Additional to the Geneva Conventions of 12 August 1949 (Protocol I), Art. 35(3).
- Ibid., Art. 55.
- Rome Statute of the International Criminal Court, Art. 8(2)(b)(iv).
- Convention on the Prohibition of Military or Any Other Hostile Use of Environmental Modification Techniques (ENMOD), 1976.
- ICRC, Customary International Humanitarian Law, Rule 7 & Rule 54.
- Ibid., Rule 76.
- Geneva Conventions of 1949; see also ICRC, Customary IHL, Rules 1 and 14.
- Antonio Cassese et al., International Criminal Law, Oxford University Press, 2013.
- Polly Higgins, Eradicating Ecocide, Shepheard-Walwyn, 2010.
