لم تعد طرابلس مدينة منكوبة بالإهمال فقط، بل باتت مدينة منكوبة بالخوف.
الخوف من السقف، من الجدار، من النوم، من البقاء في المنزل.
الخوف الذي وُلد من رحم سنوات طويلة من التقصير، وغياب الدولة، وتعطيل المسؤوليات، وترك المدينة تواجه مصيرها وحدها.
سقوط مبنى في ظهر المغر، ثم سقوط مبنى ثانٍ في التبانة، وسقوط ضحايا وجرحى تحت الركام، لم يعد يمكن توصيفه كحادث عرضي أو قضاء وقدر.
ما يحصل اليوم هو نتيجة مباشرة لتراكم الإهمال، وغياب الرقابة الهندسية، وتعطيل القرارات الإدارية، وتحويل السلامة العامة إلى ملف مؤجَّل.
الإعلام نقل المشهد، والناس شاهدت بأمّ العين كيف تنهار الأبنية فوق رؤوس ساكنيها. لكن السؤال الذي يطرحه اليوم كل بيت طرابلسي هو: أين كانت الدولة؟
أين كانت السلطة الإدارية؟
وأين كانت المتابعة قبل أن يتحوّل الخطر إلى جريمة؟
من الفراغ إلى التكليف… ومن التكليف إلى الشلل
محافظة الشمال ليست جائزة ترضية، ولا مكافأة سياسية، ولا ورقة تفاوض لإرضاء هذا الطرف أو ذاك.
محافظة الشمال هي دولة، والدولة مسؤولية، وليست ملكاً يُدار بالوكالة على حساب أرواح أبناء طرابلس.
منذ أشهر طويلة، يُدار موقع محافظ الشمال بمنطق “التكليف المؤقت”، عبر تكليف السيدة إيمان الرافعي بإدارة المحافظة بالإنابة، في الوقت الذي تشغل فيه منصب قائمقام زغرتا.
أي أن واحدة من أخطر وأثقل المحافظات في لبنان، وفي قلبها مدينة تعاني من الفقر، والأبنية المتصدعة، والكثافة السكانية، تُدار بلا محافظ أصيل متفرغ.
السؤال هنا ليس شخصياً، بل مؤسساتياً وأخلاقياً: هل يجوز أن تُدار محافظة بحجم الشمال بتكليف مؤقت؟
وهل يجوز أن تكون سلامة مئات آلاف المواطنين رهينة حسابات سياسية؟
بالأمس سقط مبنى في ظهر المغر، واليوم سقط مبنى في التبانة.
ماذا كان يمكن للإدارة المكلّفة أن تفعل؟
وكيف يمكن لإدارة غير متفرغة، ومكبّلة بالصلاحيات، أن تلاحق البلديات، وتفرض قرارات إخلاء، وتنسّق ميدانياً مع الدفاع المدني ونقابة المهندسين؟
الحسابات السياسية لا تسند سقفاً ولا تحمي أرواحاً
يُقال في الشارع الطرابلسي إن هذا الواقع الإداري جاء نتيجة حسابات سياسية وتوازنات، وحرص على إرضاء قوى وشخصيات نافذة.
وإن صحّ ذلك، فالمصيبة أكبر.
طرابلس لا تُدار بمنطق الترضيات.
ولا تُحمى بمنطق التسويات.
ولا تُنقذ بمنطق “تمرير الوقت”.
الكوارث الأخيرة أثبتت أن المدينة لا تحتاج بيانات، بل تحتاج إدارة تنفيذية حاسمة، حاضرة في الميدان، تضع السلامة العامة فوق أي اعتبار سياسي أو انتخابي.
المحافظ ليس منصباً بروتوكولياً
المحافظ هو سلطة الوصاية على البلديات.
هو من يراقب، ويسأل، ويحاسب.
هو من يتحرك فور وجود خطر داهم.
هو من يفرض تطبيق القانون بلا تردد.
في مدينة تعجّ بالأبنية القديمة والمتصدعة، لا يكفي العمل من خلف المكاتب، ولا تكفي التصريحات الإعلامية.
المطلوب حضور يومي في الأحياء، جولات تفقد، قرارات إخلاء، تقارير هندسية، وتنسيق مباشر مع كل الجهات المعنية.
طرابلس تحتاج محافظاً أصيلاً، متفرغاً بالكامل، لا محافظاً بالوكالة ولا إدارة مؤقتة.
نواب طرابلس… المسؤولية كاملة
ولا يمكن بعد اليوم فصل هذه الكارثة عن مسؤولية نواب طرابلس.
فالنيابة ليست لقباً، ولا صورة، ولا موسماً انتخابياً. النيابة مسؤولية فعلية، وعندما تسقط الأبنية فوق رؤوس الناس وتسقط معها هيبة الدولة، يصبح الصمت تواطؤاً.
نقولها بوضوح ومن دون مواربة:
كل نواب طرابلس، من دون استثناء، يتحمّلون مسؤولية سياسية وأخلاقية عمّا يجري.
فشلوا في فرض تعيين محافظ أصيل.
فشلوا في تأمين خطة طوارئ.
فشلوا في حماية أهل مدينتهم من الموت تحت الركام.
وإذا كان نواب طرابلس عاجزين عن أداء هذا الدور،
وإذا كانوا غير قادرين على انتزاع الحدّ الأدنى من حقوق الناس في الأمان والحياة،
فإن الاستقالة تصبح واجباً أخلاقياً، لا خياراً سياسياً.
طرابلس لا تحتاج نواباً يكتفون بالتعزية بعد الكوارث،
بل نواباً يمنعون الكارثة قبل وقوعها.
وأمام هذا العجز الفاضح، فإن بقاءهم في مواقعهم إهانة لدم الضحايا،
واستقالتهم أقلّ الإيمان.
المطلوب الآن… بلا مواربة
إقالة محافظ طرابلس بالوكالة فوراً، وتعيين محافظ أصيل متفرغ لمحافظة الشمال.
طرابلس تريد محافظاً يحضر إلى الميدان،
يرفع الخطر عن الناس،
ويضع حدّاً لهذا الاستهتار المزمن بأرواح أبناء المدينة.
كل العزاء لأهالي الضحايا.
وكفى استهتاراً بأرواح البشر.
فما يجري جريمة مكتملة الأركان… ولن يُغتفر الصمت عنها
